سنية صالح... الشعر من الجهة الأخرى | شخصية العدد | الرئيسية

سنية صالح... الشعر من الجهة الأخرى

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

خضـر الآغـا*
*شاعر. مدير تحرير( شرفات الشام) .


سيشعر قارئ سنية صالح بالانزواء والعزلة والرغبة الحارقة بالنحيب. سيشعر أنه يقرأ شعراً ليس كالذي يقرؤه عادة، وسيشعر أنه ليس محايداً في علاقته بالعالم، كأنما هو مدعو لفعل معين، هذا الفعل، على الأرجح، هو الثأر! سيشعر قارئ سنية صالح، إذاً، في علاقته بالعالم، أنه طالب ثأر.

ذلك أنه سيقرأ شعراً غير الذي قدمه له الشعر العربي عموماً، وشعر الحداثة، أو ما يسمى شعر الستينيات خصوصاً. فالشعر العربي، بما فيه شعر الحداثة (أغلبه)، حتى في نماذجه الرفيعة، شعر عالي النبرة، مفعم بالروح التغييرية والنبوية، ينطوي على شعور بالتفوق والفخر والاعتداد بالذات، يؤسِّس لـ/ ويتأسس في نسق لم تتجاوزه، عمقيّاً، حركة الحداثة الشعرية العربية، رغم أنها أخطر انقلاب حدث للشعرية العربية منذ فجرها الأول. وكمثال على هذا النسق، وهيمنته، نتذكر طرفة بن العبد: "أنا الرجل الضرب الذي تعرفونه/ خشاشٌ كرأس الحية المتوقد"، وقد كرّس المتنبي وتكرّس نهائياً في هذا النسق: "أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي/ وأسمعت كلماتي من به صمم". وعمّقه، وإن في اتجاه آخر، أدونيس: "قادر أن أغيِّر، لغمَ الحضارة: هذا هو اسمي". ولم يزل يوالي حضوره القوي في الشعر الحديث. ويمكن اعتبار محمود درويش من أبرز ممثليه، كون مرموزه هو الفدائي القادر على الكثير في صراعه البطولي مع محتلي أرضه: "أنا هرقل الذي شدّ البحار إلى قرون اليابسة (...) أنا نبيّ الأنبياء وخاتم الشعراء".

هذه البطولة والفحولة شكلت بنيةً شعرية جعلت حتى الشاعرة المرأة تنطلق منها، وتؤسِّس نصَّها ضمنها. فيما خرجت سنية صالح عن/ وعلى هذه البنية القوية والراسخة، وكتبت: «... أسقط/ كما تسقط رؤوس الأزهار/ شاحبة وبلا جذور...». كتبت ذلك في العام 1957، في الوقت الذي كانت فيه أفكار القوة، والنبوَّة، والشعر الذي يغيّر العالم، تنتشر في الثقافة والشعرية العربيتين انتشار النار في الهشيم.

بعد حصولها على الجائزة التي أعلنت عنها جريدة النهار عام 1961، وفي أول حديث لها سئلت: ما هو طموحك الشعري؟ فأجابت: «ليس لي أي طموح من أي نوع كان. أنا أعجز من أن أغيّر العالم، أو أجمّله، أو أهدمه، أو أبنيه، كما يقول بعض الشعراء. أحسّ أنني كمن يتكلم في الحلم. ماذا يؤثِّر في العالم الكلامُ في الحلم؟ وباختصار، ليس لي أي طموح من أي نوع كان. فقط أن أسترخي، وأترك زحام العالم. يتدافعني كشيء صغير جداً، ولا وجود له. إنما أحتفظ لنفسي بحرية الحلم والثرثرة».

يبدو هذا الكلام، وإن كان عفوياً، وكلاماً أول، شديد الدلالة، فهي تريد من الشعر ما تريده من الحلم، فالشعر، كما ترى، قول الحلم بلا ادعاءات. لم تطلب من الشعر شيئاً آخر. طموحها أن تحلم... والمفارق في هذا الكلام أنه صدر في وقت كان فيه للشعر، وفق جماعة مجلة (شعر)، وكما أشرت منذ قليل، مهمة تغييرية وتبشيرية وخلاصية... كتغيير الواقع والعالم، ووعد بعالم أجمل... طلبوا حينذاك من الشعر قول الأفكار الكبيرة: وطن وأمة وانبعاث وتموز وأساطير... إلخ. ومن الشاعر أن يكون نبياً ومسيحاً ومخلّصاً ورائياً وحامل الكلمة وبروميثيوس... إلخ. فيما طلبت من الشعر أن يقول الحلم، ومن الشاعر أن يحلم، ولا شيء آخر، فالشاعر أكثر هشاشة من ادعاء القوة والنبوءة، والشعر ليس سوى صوت الداخل العميق، صوت الهشاشة، صوت القلب لحظة استجابته للحب، وصوت الحب إذ يرتطم بالقلوب.
 
وهذا لا يأتي إلا من الأحشاء، والشغاف، والأماكن المخفية، والمجهولة من الإنسان. فيما ذهب بعض الشعراء في ذلك الحين إلى الأيديولوجيات وأفكار الثورات، ليجعلوا نقلها من مهام الشعر. يمكن، إذاً، تأويل كلامها على هذا النحو، ودليلنا شعرها: كم هو غائر، وبعيد في العمق، ومختلف إلى حد كبير عن الشعر الذي طرحته ونادت به حركة الحداثة التي خرجت الشاعرة، عملياً، منها. لكنها، أيضاً، خرجت عليها. مع هذا، فإن «هذه الحرية، وهذا القول الطالع من عمق الحلم سيقدمان، مع مرور الوقت، عناصر لرؤية العالم، أو لإعادة تشكيل صورته في وعي الشاعرة» كما تعبر الناقدة القادرة، وأختها، خالدة سعيد.

إن الاختلاف الكبير الذي جاءت به سنية صالح نتج، حقيقة، عن نجاحها بأداء مهمة جليلة وبالغة الصعوبة واجهتها، اختيارياً، منذ البداية. تتمثل في مواجهة تيارين شعريين قويين تمردت عليهما وتجاوزتهما في كثير من التفاصيل: الشعر العربي التقليدي الموروث، وشعر الحداثة. التيار الشعري الأول واجهته مع شعراء الحداثة. فإذا كان هؤلاء اضطروا لمواجهته بطريقة كادت تكون دموية، من حيث خروجهم النهائي والحازم، ليس فقط، على النص العمودي المقدس، إنما، أيضاً، على مقولاته. إذ أنهم رأوا، محقّين، أن العمود الرخامي الباهر، الذي أنشأه الكلاسيكيون الأوائل، تحول مع التقليديين اللاحقين إلى عمود إسفلتي حالك لا يقوى على قول شيء، فدمَّروه، خالقين عبر ذلك الشعر العربي الحديث الذي لمّا يزل، بصورة من الصور، يدفع أثمان ذلك التدمير. فإذا كان الأمر كذلك، وهو كذلك، فإن الأمر مع سنية صالح بدا مضاعفاً ومشدَّداً: فمن نافذةٍ واجهت الشعر الموروث معهم بالحمية ذاتها، والحزم ذاته، ومن نافذة أخرى، واجهت شعر الحداثة ذاته الذي خرجت معه ومنه. لقد طرح هؤلاء الشعراء أنفسهم بوصفهم شعراء رؤيا، والرؤيا مفهوم «جواني» ذو صلة بالإشراق. فالمعنى يتكون داخل القلب وينبثق إشراقياً، لذلك فإن ابن عربي يشبهها بـ «الرحم» الذي يحمل عبء المعنى. أما الذي حدث لدى بعضهم، فإنهم حوّلوا هذا المفهوم وجعلوه «برانياً»، خارجياً، يحدث في الأيديولوجيات الكبيرة الصاعدة آنذاك، وفي وضعيات صلبة (وطن، أمة، جماهير، شعب... إلخ) ثم نقلوه إلى الشعر، على أنه شعر حديث. حتى أن بعضهم سمى تلك المرحلة الشعرية: «المرحلة التموزية»، لكثرة المفردات التي تشير إلى ذلك: البعث، تموز... إلخ. أما سنية صالح فقد أتت بالاتجاه المعاكس، فقالت ما لم يقولوه، وكتبت بلغة لم يكتبوا فيها، وعوضاً من أن ترى الأيديولوجيات التبشيرية، رأت العالم يتساقط كبناء تعرّض لزلزال، وعوضاً من أن ترى الناس بوصفهم «جماهير» و«شعباً»، رأت الإنسان الفرد يوالي انعزاله وتصدُّعَه وفقدانَ علاقته بالعالم، وعوضاً من أن ترى العالم بيقين أيديولوجي وتبشيري، رأته بفقدان ثقة، وبريبة، وبتساؤلات شديدة العمق، وشديدة الكآبة أيضاً. إذ أن رؤياها «تفترق عن الرؤى... يومذاك» كما تقول خالدة سعيد، وتتابع أنه في هذه الرؤيا «تتقدم حشود الأجنة والأطفال والدمى وأسراب الملائكة كالعصافير وجياد من الثلج ونساء مهانات وشعراء ومهرجين وعشاق وعبيد وأبطال حكايات وثوار خائنين». هذا العالم الأحشائي، الغائر، الغامض، والسري، هو العالم الذي لم تنفك الشاعرة عن الحفر والتنقيب فيه، وكتابته بحساسية شعرية نادرة، الأمر الذي منح شعرها هذه القدرة الفائقة على أخذ قارئه إلى عزلة لا تضاهى، وكآبة واخزة، وبكاء نشيجي. لكنه يضعه في قلب المستقبل، إذ أن سنية صالح تكتب في ما بعد، في المستقبل.

الأمر الذي فاقم صعوبة مهمتها من نافذة، وأضاف لشعرها تلك الخصوصية في حقل الشعر العربي، وذلك الوخز الناعم والمختبئ في تلقيّها، هو أنها امرأة في مجتمع لم يتوان عن النظر، بلا هوادة، إلى فعل الكتابة بوصفه ذكورياً، وعن النظر إلى الشعر بوصفه فحولياً. فلم تغير طبيعة المقولات فحسب، إذ أن هذه لا تتغير من تلقاء نفسها، بل غيّرت الطريقة المتّبعة في استعمال اللغة، بوصفها مكان سكنى العالم، والأفق الذي يُكتشف ويُبنى فيه. وربما هذا ما جعل قارئ سنية صالح يشعر بالانزواء والعزلة والرغبة الحارقة بالنحيب، إذ أنه، ربما، لأول مرة يُنظر إلى العالم من وجهة نظر أنثوية، أو ينظر إليه بوصفه أنثى. إذ أنها، كما تقول خالدة سعيد، كتبت بلسان: "الجوهر الأنثوي الخالق المطعون المسحوق عبر التاريخ..."، وأنها "تبني المشهد الهائل للجسد الأنثوي في مصارعه وتحولاته ومعجزاته...".

"قد تكون ثيابي مزيفةً/ ولآلئي مزيفة/ قد يكون كل ما في العالم/ مخادعاً ومزيفاً/ إلا دموعي/ أنا المرأة ذات الأعوام المسننة/ أنزف كجندي بُتر رأسه...".

ولن يمر الأمر ببساطة. أن تتجرأ امرأة على دخول مقر الرجال المحمي بحراس أشداء، وتخلخله، وتغير موازينه، وتنتزع اعترافاً (جائزة "النهار")، فذلك أمر خطير، ولن يمر دون عقاب. واجتمعت البطريركية كلها، وقررت القرار الفاجع الذي دمغ الثقافة العربية بدمغة سوداء، وتسبب للقصيدة العربية في مستوياتها العليا بجرح لم يزل نازفاً، وأفقدها إمكانية مهمة لأن تكون أكثر رحابة وغنى وتنوعاً، هذا القرار هو إقصاء سنية صالح من ذلك البستان الرحب: الشعر.

ثمة أحاسيس كثيرة قد تصيب قارئ شعرها، سيشعر أنه بعد قراءتها، غيره قبل أن يقرأها. قبلها يؤمن، ربما، أن الشعر يغيِّر العالم، ويطالب الشعراء بمزيد من الكتابة لمزيد من تغيير العالم، أما بعد قراءتها فإنه سيكفّ عن ذلك، وسيكتفي بالخروج إليه عارياً، متحدياً، ولديه الرغبة الماثلة بتفتيته، والثأر منه.

ولا يمكن مع سنية صالح قراءة الشعر بالحواس والحدوسات ذاتها التي كان القارئ يقرأ الشعر عادة من خلالها، فثمة حواس أخرى، وحدوسات أخرى، لا يعرفها القارئ، ولا يعرف إن كانت موجودة لديه قبلاً، أم أن سنية، بقوة الشعر، وبقوة المعنى، وبقوة الكتابة خلقتها فيه؟

 

"أيتها اللؤلؤة/ نمتِ في جوفي عصوراً/ استمعتِ إلى ضجيج الأحشاء/ وهدير الدماء/ حجبتك طويلاً... طويلاً/ ريثما ينهي التاريخ حزنه/ ريثما ينهي المحاربون العظماء حروبهم/ والجلادون جلد ضحاياهم/ ريثما يأتي عصر من نور/ فيخرج واحدنا من الآخر".

يقرأ القارئ شعرها لا ليستمتع، أو ليتعرف إلى الجمال، بل ليتأثر ويتساءل. "هنا مفهوم الجمال في صوره التقليدية غائب. لا وجود للجمال النظيف المثالي... لا زهور في شعرها ولا عطور، لا مروج ولا عيون فاتنة، لا مشاهد لنزهة العين، وحتى لا غزل. الكلمة هنا برية قادمة من عالم الصراخ والجروح، من عالم المباضع والثورات ومتاهات التشرد... الكلمة صرخة وجع لا تنتج الجمال والمتعة، بل تفتح المداخل على التجربة...".

«لن يلتقط شِعري عذوبتك/ فأنا مشوّشة بالخسارة»

ليست الآلام المكتنزة في شعرها شخصيّةً بالمعنى البسيط للكلمة، إنها آلام إنسانية مسحوقة تتقلب على انسحاقها الهويات، ولا تتبدل المصائر، آلام متصلة بالمشهد التاريخي لآلام النساء، لحزنهن القاسي الذي يطلع من الجوهر الأنثوي المسحوق والمطعون، آلام الجسد الأنثوي الذي عبر فوقه البطاركة والجلادون والنخاسون.
 مع هذا، لا ينتسب شعرها إلى الشعر الذي تكتبه النساء، لا إلى العذوبة واللطافة والأناقة التي ينطوي عليها، ولا إلى الحزن الشخصي العائلي والاجتماعي، وما ينطوي عليه من عرض لعذاب المرأة في مجتمع ذكوري، على قيمة ذلك في بعض الأحيان، لكنه شعرٌ يرى نفسه مسؤولاً عن فضح الدمار الذي خلفته البشرية منذ أن استبدت بالتاريخ، وسلّمت صياغته قسراً وإرغاماً للبطريرك، منذ أن استبدت بالمرأة وجعلتها مجرد موضوع للرغبة وللسحل وللإقصاء وللتهميش، وللعمل على خدمة الأباطرة والرجال والأزواج والأولاد والمحاربين، إنه ثأر لكل تلك القيم التي وضعت المرأةُ التاريخية نفسَها حارسةً لها، وسحقتها البشرية متواطئة بهذا مع التحول الخطير الذي أصاب مجتمعات البشر، عندما انتقلت، تعسّفياً، من صياغة المرأة إلى صياغة الرجل.

"خُلقت من أجل الطَّراد العظيم/ من نسل عاشقات منهزمات".

آلام سنية صالح، إذاً، هي آلام ليليت وعشتار والأمازونيات. آلام الجسد الأنثوي الموغل والغائر المبثوث في التراب وفي الهواء وفي نسغ الشجر وفي روائح الطبيعة. آلام بناء هذا الجسد، في مصارعه وتحوّلاته ومعجزاته، بناء هائلاً ومن جديد.

شعر سنية صالح صيحة الأنثى لحظةَ أنْ غدرتها البشرية منذ فجر البشرية، صيحتها في ذروة خوفها على قيمها التي حرستها وأشاعتها، شعرها هو رائحة دم المرأة منذ أن قتلت أول امرأة، فقط لأنها امرأة، وحتى الآن، ولم تزل تقتل...

من هنا ندرك ونتأكد أن شعرها مختلف بشدة عن الشعر العربي الذي وصل إلينا، وعن شعر الحداثة خاصة. ومن هنا، ربما، قالت خالدة سعيد إن "شعرها لا يشبه أحداً، وليس منضوياً في تيار... إنه شعرٌ على حدة وسط أمواج الشعر المتوالية".

"شدّي جزَعك إلى جزَعي/ أدخلي عظامك في نفق عظامي".

"... لكنهم ليسوا أبناء تلك الغابات الشّبقة/ التي نامت في سريره مئات الأعوام/ ولم تنجب".

وإذ أن العرب تربوا على الشعر الذي كتبه الرجال، على عظمة بعضه، بلسان الرجال، بلغتهم، بقولهم، بتطلعاتهم... إلخ، ولم يصل سوى شيء قليل من شعر المرأة الذي لا يمنح، لقلته ومحدوديته، إمكانية لدراسته، ولا يعرّف بصوت المرأة المهدور، بل على العكس، كان بعضه مؤيداً للقيم البطريركية، ناطقاً باسمها، مكرساً لادعاءاتها.. عبر استخدام أدوات الشاعر الرجل ذاتها، وقوله ذاته...

في العصر الحديث خطت نازك الملائكة الخطوة الأولى الكبرى على طريق تأنيث القصيدة، فحطمت، بضربة واحدة (قصيدة الكوليرا) العمود الشعري الراسخ والمقدس، وأصابت عُتاتَه بمقتل، فانقلبت عليها الدنيا.. ثم توالت هذه الخطوات، وظهرت سنية صالح معبّرة عن جوهر الأنوثة من حيث استخدام اللغة المهدورة، واستحضارها من دماء ليليت والأمازونيات ونساء الموت، ومن صيحة الأنثى وقيمها، وإعادة بناء تاريخها، وجسدها المهشم. ومن هنا يشعر قارئ سنية أنه يقرأ شعراً، إنما من الجهة الأخرى، من جهة الأنوثة، ويشعر أنه ينظر إلى العالم، إنما بوصفه أنثى.

حتى إن النقد الذي تناول قصيدتها المبكرة "جسد السماء" تناولها بهذه الصفة، ولو أنه لم يُشر إلى ذلك صراحة، إنما تبدى ذلك عبر الاقتناع أنها قصيدة خارجة عن نسق الشعرية العربية الذكوري. في تلك الأثناء كان للفوز بجائزة معنى، فقد كانت لجنة الجائزة التحكيمية تتألف من خمسة شعراء، سيصيرون، فيما بعد، من كبار شعراء العرب الحديثين، هم: شوقي أبي شقرا، وصلاح ستيتية، وفؤاد رفقة، وأدونيس، وأنسي الحاج.

وقد قال الشاعر أنسي الحاج حينها، بوصفه المسؤول عن الجائزة: «قصيدة «جسد السماء» قصيدة نثرية، ونزعتها شخصية، وتكنيكها مناخي أكثر مما هو عضوي. فحين تقرؤها تنفلش في نفسك صور وتوتّرات، لأنها، مع غموضها، ومع شخصياتها، تحمل كذلك التجربة الصادقة التي تمس الآخرين مساساً أجزائياً عبر الكلمات، ومساساً روحياً يصدر من جوهرها كله.... العالم منقسم. الانتقام منه باللجوء إلى نصفه الآخر تكريس لانقسامه. العالم منقسم وينبغي توحيده. فلننتظر وتنتظر الشاعرة. من يأتي؟... من يشعل جسد السماء؟».

تعتبر خالدة سعيد أن القصيدة «علامة على مجيء سنية من خارج الموروثات، ومن خارج المألوف، وأيضاً من خارج التيارات الجديدة التي كانت تصارع للصمود». وهكذا يعتبرها الشاعر عباس بيضون، ويعتبرها أيضاً «يتيمة»، وذلك بعد مرور ربع قرن على كتابتها: «كنت أشعر أن القصيدة تسلك إلي من طرق لم أألفها، وتخاطب طبقات حس لم تكن بعد قد تحركت، ولم أكن سمعت لها نأمة أو جرساً. كانت القصيدة تأتيني من الجلد والإغماضة والصدى الداخلي، ومن مطارح لم تكن بعد اعتادت أن تكون مسالك وطرقاً. منذ ذلك الوقت أذكر «جسد السماء» كقصيدة فريدة، لكن «جسد السماء» يتيمة من يتيمات الشعر الحديث، ليس لها أب فارع، ولا نسب قوي، لذلك لا تُذكر بين قلائده وحسانه، ولا يُشار إليها في متاحفه...». ويعتقد أن نسيانها يعود إلى «فرادة القصيدة فرادة غير مدعية ولا فاقعة...»:

«وحيدة رجعت وبلا صوت/ أبيع نعاس الغابات المهجورة».

«ثمة غائبٌ في القافلة/ رجل يتغلغل في الزّوايا الخفيّة/ من كنيسة الروح».

«ألأنني خرساء يُؤثرني الرّنين؟».

هكذا، يمكن إرجاع كل تلك المشاعر الصعبة التي يشعرها قارئ سنية صالح، إلى كونه، إذاً، يصغي، لأول مرة ربما، لصوت الأنوثة المهدور، يصغي للشعر حقاً، إنما، من الجهة الأخرى.

أضف إلى: Add to your del.icio.us del.icio.us | Digg this story Digg

التعليقات (0 مرسل):

أضف تعليقك comment

رجاء أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نص عادي
الكلمات الدليلية
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع
قيم هذا المقال
0
Powered by Vivvo CMS v4.1.0-beta2