سنيّة صالح ... مخالب اللبؤة
بقلم: محمد علي شمس الدين*
*شاعر.
أدغال سنيّة
صَدَرَت قصائد «ذكر الورد» لسنيّة صالح (1935 ـ 1985) بعد موتها. لقد عاشت أقلّ مما عاش زوجها محمد الماغوط (1924 ـ 2006)، الذي لحقه الهَرَمُ، ولحقه الندم تجاه سنية. لعلّه لم يكن منتبهاً كما ينبغي لظلها الجميل إلى جانب ظلّه. لقد ضرب ظلُّه ظلَّها خلال حياتهما معاً. وعلى الرغم من دورها المبكّر في التعريف النقدي به من خلال مقدمة «حزن في ضوء القمر» (1973) التي كتبتها بعنوان «طفولة بريئة وإرهاب مُسنّ» وبدأتها بالجملة التالية: «مأساة محمد الماغوط أنه ولد في غرفة مسدلة الستائر اسمها الشرق الأوسط»، فإن شِعرها لم يأخذ ما يستحقه من تقدير، إلا بعد موتها.
قصائدها الأولى ظهرت في مجلة «شعر»، مثل قصائد زوجها، في أوائل الستينيات من القرن الفائت. وإضافة لذكر الورد، فقد تركت ثلاث مجموعات شعرية هي:
1 ـ الزمان الضيّق 1964 (المكتبة العصرية، صيدا).
2 ـ حبر الإعدام (1970، دار الأجيال، بيروت).
3 ـ قصائد (1980، دار العودة، بيروت).
اشتغلت في «حبر الإعدام» بوجه الخصوص، على التفاصيل، وارتجافة النفس العليلة في جسد الأيام المشتعلة، الأيام التي عاشتها بكل انكسار الرايات وسقوط الأحلام وتحطمها على صخور قاسية من الخيانة والوهم والظلم السياسي والاجتماعي. ولكنها في قصائد «ذكر الورد»، توقّع وجهاً لوجه، ودونما حواجز من غيب وأقنعة، أجمل خطاب مع الموت، مع المخالب الوردية للحياة والموت. الشباب، الطفولة، الهَرَم، المرض، الخوف، الرجاء، الحب، الأمومة المتناثرة، الشعر. المرثيّة الصافية، هي، ربما، مرثية سنية صالح لذاتها، ورغبتها الحارقة في أن يستمرّ وجودها بعد الموت، في ابنتها «شام».
تقول في قصيدة بعنوان «تخرجين من أسوار الجَسَد»:
«أصلّي بحرارةٍ ويأس
كي يصير قلبي الضعيف
بحجم قدميك».
والاسترسال في هذه القصيدة ـ النموذج لسنية صالح، يقودنا إلى قاعها الرؤيوي. فهي، كلبؤة، تنشب مخالبها الدامية في عنق الموت. تدخل أدغال رمبو ولوتريامون المجهولة، وتدعو ابنتها معها إلى الأدغال تقول:
«يا صغيرتي لا تيأسي واتبعيني
في قلب الأدغال المجهولة
أدغال رمبو ولوتريامون......
أشياء رائعة خلقت لنا
في قلب الأدغال
شجرة للحلم...»
والسؤال: لماذا أدغال رمبو ولوتريامون؟ أليس ثمة أدغال عربية شرقية شامية، أسطورية أخرى، لتدخل فيها سنية؟
أعرف أنه قد يعترض معترض ويقول: لا يحقّ لأحد سؤال الشاعر عن انحيازه (الداخلي) لطقس أي شاعر آخر، أو إنسانٍ في هذا العالم. أعلم ذلك جيداً. ولأنني أعلم ذلك، أرغب في طرح السؤال. وهذه الرغبة سببها ما نريد قوله من أن سنية صالح، البريئة من إيقاع الشعر العربي الموزون، ترضع من ذاكرة أخرى (هولدرلن، رمبو، لوتريامون...) شأنها شأن معظم شعراء قصيدة النثر العربية، ما خلا الماغوط. لكنّ ذلك لن يمنعنا من تلمُّس القاع الرؤيوي لقصيدة سنية صالح، حاضن إخصابها. وهو قادم من احتدام غامض للحنان والقسوة، اللذين يعتملان في جسدها المؤجَّج بالمرض، حيث ثمة لبؤة في القاع، تنشب مخالبها في وجه الموت. تنشب القصيدة. تدرّبت سنيّة صالح، في أواخر أيامها، طويلاً على المرض، وقاومته بالكلمات، وكذلك فعلت بالحياة. كلبؤة جريح عاشت وماتت، ولم يكن صراخها ليحجبه أي صراخ آخر. تقول مخاطبةً ابنتها في قصيدة «تخرجيني من أسوار الجَسَد»:
«ها هو العالم يدور
يسحب قسراً من أعمار
ليمنح بالمجّان
للصوص والسفّاحين
أضرميني يا ابنتي جدديني
لقد تعفنتُ بالنسيان
يردمون فمي
لكنه عميق
ولا حدود له»
قد تكون تقصد بـ«يردمون فمي» الردم في القبر. وقد تكون تقصد القمع الاجتماعي في الحياة. ولكن، على كل حال، يظهر أنّ فمها (صوتها) عميق وبعيد الشأو. ونراه يسترسل في صراخه الوحشي حتى أيامنا هذه، قاطعاً ربع قرن من الزمان بعد الموت.
قِران سنيّة
تصف سنيّة صالح شيئاً من أيام التخفّي مع الماغوط. تقول في مقالة «طفولة بريئة وإرهاب مُسِنّ» (مقدمة «حزن في ضوء القمر» ـ الآثار الكاملة، دار العودة ط 2، 1981):
«... كان هذا الشاعر يرتعد هلعاً إثر كل انقلاب مرّ على الوطن، وفي أحدها خرجت أبحث عنه، كان في ضائقة قد تجرّه إلى السجن، أو ما هو أمَرُّ منه، وساعدني انتقاله إلى غرفة جديدة في إخفائه عن الأنظار، غرفة صغيرة ذات سقف واطئ، حُشِرت حشراً في خاصرة أحد المباني، بحيث كان على من يعبر عتبتها أن ينحني وكأنه يعبر بوابة ذلك الزمن.
سرير قديم، ملاءات صفراء، كنبة زرقاء طويلة سرعان ما هبط مقعدها، ستارة حمراء من مخلّفات مسرح قديم. في هذا المناخ عاش محمد الماغوط أشهراً عديدة.
... بَدَت الأيام الأولى كاللعبة البطولية لنا نحن الاثنين. ولكن، لمّا شحب لونه ومال إلى الاصفرار المَرَضي، وبدأ مزاجه يحتدّ، بدت لي خطورة اللعبة. كان همّي الكبير أن يتلاشى الإعصار دون أن يخنق غباره «النسر»... كنت أنقل له الطعام والصحف والزهور خفية. كنا نعتز بانتمائنا للحب والشعر كعالم بديل متعالٍ على ما يحيط بنا. كان يقرأ مدفوعاً برغبة جنونية، وكنت أركض في البرد القارس والشمس المحرقة لأشبع له هذه الرغبة، فلا ألبث أن أرى أكثر الكتب أهميةً وأغلاها ثمناً ممزقة أو مبعثرة فوق الأرض مبقعة بالقهوة، حيث ألتقطها وأغسلها ثم أرصفها على حافة النافذة حتى تجفّ. كان يشعل نيرانه الخاصّة في روائع أدبيّة، بينما كانت الهتافات في الخارج تأخذ من بعيد شكلاً معادياً».
ثم تصف سنيّة صالح شعر الماغوط بقولها:
«.. يعتبر محمد الماغوط من أبرز الثوّار الذين حرروا الشعر من عبودية الشكل... وقد لعبت بدائيته دوراً هاماً في خلق هذا النوع من الشعر (قصيدة النثر)، إذ أن موهبته التي لعبت دورها بأصالة وحرية كانت في منجاة من حضانة التراث وزجره التربوي. وهكذا نجت عفويته من التحجّر والجمود».
لعل سنية صالح كانت أهم من كتب في شخص محمد الماغوط وشعره. والسبب أنها عرفتهما (الشخص والشعر) معاً وباكراً، واندرجت فيهما اندراجاً جسدياً وإبداعياً، فكان بينهما ذلك القِران الخاص. فعلى صدرها بعض مما على صدره من حوافر الأزمنة العربية، وفي صوتها بعضٌ مما في صوته من عواء ذئب رائع، تحتدم فيه القسوة بالحنان.
كان الماغوط يظهر دائماً كأنه المخطوف والغائب.. الغريب كأنه آخر. فهو غائم واستفزازي ومستفَزّ. وهو شديد الوحدة (لا أقول اليأس)، أو انعدام الفرح، بل التوحش المطلق. بقي كذلك طيلة حياته حتى الموت. يقول في «البدوي الأحمر»:
«ها أنا أحتفل بعيد ميلادي السبعيني
ولا أحد يشاركني المائدة
سوى الذباب»
شعر الماغوط طالع من مناطق أوَّلية خام من العيش والتجربة المباشرة، ولم يطلع من ناحية الثقافة، أو القراءة. ذلك ما أشارت إليه سنية صالح في كلامها على استهانته بالكتب المحمولة إليه في مخبئه. وهو ما يظهر جلياً في نصوصه، حيث لا يُرى أثر للثقافة الغربية عليه، ولا للموروث البلاغي العربي في آن. فهو حرٌّ من جهتين، على خلاف أقرانه في مجلة «شعر» فقد كانت علائق التراث واضحة على «أدونيس»، وعلائق الغرب واضحة على أنسي الحاج.
إنها، كما قال، «قدم الشرطي» هي التي دفعته إلى كتابة نصوص هي أشبه ما تكون بصراخ وحشي في زنازين معاصرة.. زنازين عربية بدمغتها...
«ضع قدمك الحجرية على قلبي يا سيّدي
الجريمة تضرب باب القفص
والخوف يصدح كالكروان
ها هي عربة الطاغية
تدفعها الرياح
وها نحن نتقدّم
كالسيف الذي يخترق الجمجمة»
(من قصيدة «القتل» ـ من مجموعة «حزن في ضوء القمر»)
والحال أنّ قدرة الماغوط الوحشيّة على تشبيه الصور الحسيّة بالذهنية، وتشبيك الذهنية بالحسيّة، والحسيّة بالحسيّة، من خلال حرف «الكاف» القاطعة كمنجل، تنامت بخصوبة في دواوينه الثلاثة الأولى «حزن في ضوء القمر»، و«غرفة بملايين الجدران»، و«الفرح ليس مهنتي». هذه القدرة على الحشد والجرح والهتك تراجعت في كتبه الأخيرة، بخاصة منها «شرق عدن غرب الله»، و«البدوي الأحمر»، حيث ترهّل الذئب القديم، وغرق في الثرثرة والكتابة الصحفية المكرورة التي امتصّت طاقة صوته القديم وبالتأكيد بقي الماغوط يكتب من أجل فكرة. وبالتأكيد بقيت دَمْغَتُه الجارحة لا تخفى. لكنّ الحال العربية أصبحت من التأسّن والتبلّد في منطقة لا تفيد فيها الأوصاف. ذلك أن تقرير المقرَّر، وسرد المعروف، لم يعد يحمل إثارة الشعر ومفاجآته. هذه واحدة. وربما كانت هنالك أسباب أخرى نالت من شعرية الماغوط في المنقلب الثاني من حياته، من بينها الكتابة الصحفية بلغة الاحتجاج اليومية، التي امتصّت طاقته الشعرية الأولية، وأحسب أيضاً أن طقوس الحياة اليومية للرجل، من أخلاط طعام وشراب وتدخين، جعلت الجسد يترهّل، والعصب أيضاً. وربما كان أن جميع ما هجاه الشاعر من خراب الروح العربية، وترهلها، قد وقع بالفعل أكثر مما تخيّل، وأكثر مما تنبأ به كعرّاف للهزيمة، فضمر فيه عشب الأمل في اليأس، وساد خراب اليأس في الأمل.
سألت نفسي أخيراً: ألهذا الحد استطاعت قدم شرطي في سجن عربي، أن توجد هذا المجد الكبير للشعر؟
الماغوط يرى أنه بلا مجد، ولا أوسمة. والعجيب في أمره أنه لم يعد يخيف أحداً. يذكر في حوار آخر له مع جريدة الحياة أن الرئيس الراحل حافظ الأسد قال له: «أكتب ما تريد فلن يعتقلك أحد».. فلعلّ الماغوط كان بحاجة لمن يعتقله لكي يكتب.



del.icio.us
Digg
التعليقات (0 مرسل):
أضف تعليقك