العنف ضد الزوجة... في الفضاء الشرعي لإشكالية المرأة
هاني فحص*
*كاتب ومفكر إسلامي.
بدايةً، هنالك موانع وعوائق من أن نبالغ في توقعنا بإيقاف العنف ضد الزوجة نهائياً، وإذا كانت إشكالية هذا العنف متأتية أساساً من بنيان اجتماعي يتسنَّم الذكر ذروتَه، ويمارس من هناك ضغطه على موجب قوته واستقوائه بالقانون الذي يضعه. وإنْ وضعه ووجد فيه مانعاً تخطاه، فإنْ تخطاه، فإن ملمحاً من هذه الإشكالية يأتي من الموقع الذي يضع فيه الدينُ المرأةَ أو الزوجةَ خصوصاً.
في التوراة والإنجيل، تنبني العلاقة الزوجية على دونيَّة المرأة المطلقة، ما حاول بولس أن يهذبه من دون أن يلغيه، ومن دون أن نجد في الأناجيل مسوغاً لذلك، ما يعني أن بولس تأثر بجذوره الثقافية اليهودية وثقافته اليونانية التي اختزلت فيها المرأة بـ«بندورا» إمعاناً في إلزامها بدونيتها ومصدرية الشر في عينيها.
يقول بولس إن رأس أو رئيس المرأة هو الرجل، وعلى النساء أن يُطِعن أزواجهن كما يُطِعنَ الرب، لأن الزوج رئيس لزوجته، كما أن المسيح رئيس أو رأس الكنيسة، فعلى النساء إذاًَ أن يطعن في كل شيء أزواجهن طاعة الكنيسة للمسيح، ويقول لهن بولس أيها النساء أطعن أزواجكن كما ينبغي في الله. ما يشتمُّ منه أن بولس يأمر بالطاعة حتى العبادة، مقامة على التفاصيل التكوينية بين الجنسين لصالح الرجل، وهذا الترتيب يتناسب مع منهجية بولس «البراغماتية» (هذا ليس وصفاً سلبياً من قبلي) التي جعلت الفقراء في مرتبة دون الأغنياء، وجعلت المحكومين في مرتبة دون الحاكمين، وأوجبت الطاعة من الأدنى للأعلى على مقتضى الدين والإيمان.
هذا في حين أن النص التأسيسي الإسلامي الذي يُجمِع الناسُ تبعاً لإجماع العلماء على أنه قطعي السند، أي ثابت لا يشوب ثباته شوب، ظنيُّ الدلالة، أي فيه فسحة للتوسعة، وفهم المعنى من القرائن الحالية المحدقة بالنص، والمتبدلة بتبدل الأحوال والمعارف.. القرآن، هذا النص يساوي بين المرأة والرجل، ويفرز خصائصها التكوينية عن العموميات المشتركة، من دون أن يرتِّب على هذه الخصوصيات أيَّ فارق في الاعتبار والمكانة. ولا يبدو في النص أو النصوص القرآنية أي انحياز، سوى كلمة واحدة في الآية 34 من سورة النساء، وفي مورد في منتهى الضيق، يشتمُّ منها البعضُ، إن أراد، بإملاء من ذكوريته، أو رغبة في الاعتراض، وتسجيل المأخذ، رائحةَ ميزةٍ محدودة للرجل أو للزوج على الزوجة، في حين لا تنهض الفوارق في الإرث، مثلاً، دليلاً ساطعاً على التفريق، أو التفاضل، إذا ما قرئ التصور القرآني لشأن المرأة كاملاً في ما أعطي لها، وفُرض عليها من أعباء. حتى أن الفخر الرازي يُجري الحساب ويَحكم بأنه «لا فضل البتة». إذاً، فالحل بعد تحرير محل النزاع في المسألة، مسألة العنف ضد الزوجة، وهو محل في منتهى الضيق، هو مجتمع ديموقراطي تحت سقف الحق والقانون، ومن دون أوهام ديموقراطية، أي أن الديموقراطية نسبية، وليست وصفة جاهزة تقدم لكل شعب من الشعوب بصرف النظر عن تركيبته الاجتماعية وذاكرته وحساسياته وأنظمة قيمه وعلائقه. وفي هذا الكلام لا أجاوز الفقه الإسلامي، ولا أتجاوزه، إذا ما اتفقنا على أنه فهم للحياة يرقى بالنص إلى مستواها، ولا يصادرها به ليقتله ويقتلها. وإذا كانت ثنائية الوضعي والشريعة مصدر إشكالية في الفقه والفقيه، فإن فرضية توخّي العدل والأنسنة، في القانون الوضعي إجمالاً، من شأنها أن تضيِّق الشقة بين الفقيه والمشترع المدني، أو الوضعي، بالتِماس التكييف الفقهي الحقيقي لا التلفيفي لكثير من الأحكام الوضعية التي تمليها وقائع الحياة، حتى لو كانت ظاهراً مباينة للمبنى الفقهي، لأن تلقيح المناطات في الأحكام وتحقيقها في الوقائع يعفي الفقيه من خطر الوقوع في مخالفة الشرع. إذاً، فلا خوف من الفقهاء، لا خوف إلا من نموذج منهم أصبح خطره قليلاً، لأنه يرفض أن يحرك سواكنه فيتخلف عن المسيرة ويختنق صوته.
الخوف.. من أين يأتي؟
ولكنّ هناك خوفاً يأتي من جهة المهمومين بالحرية والعدالة والمساواة والمشاركة بين الجنسين من دون افتئات على الخصوصيات التكوينية وخصائصها الوظيفية. هذا الخوف سببه العجلة والترتيب المتسرع لسلم الأولويات، ما يتمظهر أحياناً بطلب العدل بالجور واستبدال عنف بعنف. ومن منا لا يتحفظ أو لا يرفض العنف العلماني الذي يتذرع بالعنف الديني ويتجاوزه كماً ونوعاً؟
إن تحديثنا لأنماط علائقنا يجب أن يكون في منتهى الحذر والحيطة من أن يصبح تسويفاً وغطاء للاستبداد العلماني، الذي شوه الحداثة والمعاصرة بالشمولية العلمانية، أو ما يمكن اعتباره في بعض الحالات ديناً أرضياً علمانياً متزمناً، بل متطرفاً. وإذا ما كان لنا نقاش مثلاً مع التجربة التونسية لا يختزله الرفض والإدانة، فإننا نتساءل عما إذا كانت هذه التجربة قد انحصرت في حدود التبديل في قوانين الأحوال الشخصية من دون أن تؤدي أو تكون ثمرة تطور على طريق الديموقراطية، لتبقى التجربة تحت عين الحاكم ويده، وفي جملة أدواته السلطوية؟
نلغي امتياز الرجال بإلغاء الحرب
العنف ضد الزوجة.. حسناً، ولكن لماذا نحمل الشرع مسؤولية ذلك؟ هذه مسألة في التاريخ، وفي الاجتماع، ولنذهب معاً إلى ورشة لمنع العنف الداخلي.. منع الحرب، لأن الحروب العنيفة تعيد إنتاج العنف التفصيلي، أي الذي يطال كل شيء، وأكثر من يتعرض للعنف في الحرب، وللعنف المتولد عنها في السلم، هي المرأة عموماً، والزوجة أولاً.. إذن، دعونا نلغ امتياز الرجال في الحرب بإلغاء الحرب، حتى لا يعم الترمل، وتزداد أهلية الذكر للتسلط لأنه شارك في قتال العدو الذي قد يكون جاره في المنزل الآخر، وشريكه في ممارسة العنف الضافي على زوجته.
ليس في مأثورنا التأسيسي الإسلامي سوى نص قرآني واحد يدور حوله الكلام عن العنف الزوجي هو الآية 34 من سورة النساء، «الرجال قوّامون على النساء بما فضّل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله، واللائي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً إن الله كان عليماً كبيراً».
إن ظاهر الآية هو حرمة النشوز، لا وجوب الطاعة. إذاً لا أمر فيها بالطاعة للمرأة، لأن المخاطب بها الزوج بتحديد الإجراءات التي يباح له، ولا يجب عليه أن يتخذها بناء على النشوز، أي المخالفة في خصوص الشأن الزوجي. وللزوج والزوجة أن يؤاخذ كل منهما الآخر على أمور معينة في السلوك الديني أو الحياتي، من دون أن تكون داخلة في الشؤون الزوجية، أي في ما يترتب على الزوجة تجاه زوجها بعنوان أنْ كونها زوجة، لا باعتبارها مكلَّفة كالرجل بالعبادات وأحكام الشرع العامة، حيث تعظمه ويعظمها بمقتضى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. والأمور الداخلة في الشؤون الزوجية لا تتعدى حق الاستمتاع الجنسي، من دون المساكنة، إلا باعتبارها من لوازم الاستمتاع، بدليل أن للزوجة شرعاً أن تشترط في العقد سُكناها.. إذاً، فالنشوز لا يتحقق إلا بالامتناع عن الإمتاع الجنسي، وقد وقع فقهاء في القرن التاسع عشر في الثقافة المحيطة بهم، فتعدّوا إلى حق الطاعة مطلقاً، بحيث لا يبقى من شخصية المرأة وأهليتها شيء.. وحتى دون أي تقرير إنساني أو شعوري أو جمالي بشأن الجنس لديها أو رغبتها الملغية برغبة الرجل.
مسألة القوامة.. ماذا عنها؟
وهنا، أود أن أقف عند مسألة القوامة، أو القيمومة... ظاهر الآية، وهو حجة، يفيدنا بأنها ليست مطلقة للرجل، ولا هي مطلقة بذاتها، بل مشروطة أو مقيدة بالفضل، أي زيادة الأهلية، والتي ليس بالضرورة أن تكون تكوينية توجِب علوّاً أو دنوّاً بين الجنسين، بل هي تاريخية مكتسبة له في تاريخ ما، ويمكن في تاريخ آخر أن تكتسبها المرأة أو الزوجة.
ولا بد من ملاحظة أن القيمومة في الآية هي للرجال ـ الأزواج. وإذا ما كان الإنفاق قوام القوامة في لحظتها التاريخية بحسب الآية، فإن أهلية المرأة للعلم والعمل والكسب والتملك، واحتمال عدم قدرة الزوج على ذلك، يعني أن الرجل يمكن أن يقع في دائرة إنفاق الزوجة، مما يعني إمكان انتقال القوامة من الرجل إلى المرأة، كما هو واقع جزئياً الآن. إلى ذلك، فإن تاريخية النص، أي قراءته في تاريخه، من دون أن تكون هنالك رغبة في تعطيله، أو إلغائه، وإن كان هو يتعطل لكونه مشروطاً أو مقيَّداً، بزوال الشرط أو القيد، أو لأن موضوعه تبدَّل بتبديل الزمان والمكان والحال، أي طرأت عليه عناوين جديدة فنقلته من حكم إلى حكم. هذه القراءة تفيد أن الفرص، في زمن الوأد، لم يتكن تتيح تحقيق أي ذات أو موقع إلا بالتملك. لا بالهوية، لأن الهوية ساكنة، ومن يعطِ يأمُرْ، أي يتملك بما يعطيه بنحو ما، فيأمره أي يقوم عليه. يقول علي (ع): «استغنِ عمَّن شئت تكن نظيره، وأعطِ من شئت تكن أميره، واحتَجْ من شئت تكن أسيره»، ومع ضيق الفرص في الجاهلية، حتى على الرجال (وكان الرجال يوأدون أيضاً، أو يتركون ليموتوا جوعاً في الصحراء)، كان من الصعب أن يكون للمرأة هذه الشأنية، وكان يمكن للشريعة أن تقدَّ المعيار دفعة واحدة، ولكن الانقلاب ينقلب عليها. إذاً، فالإقرار بالواقع مع النزول به إلى أدنى المسويات، وإغنائه بآليات التعطيل من جهة والتطوير من جهة.. هذا كلام مني، ولكن الرسول (ص) لم يقله، بل نهى عن ضرب الزوجات لأي سبب.. ولكن أهل مكة المهاجرين من قريش، وهم أهل قرية، هي أم القرى، عندما انتقلوا إلى المدينة، كانوا يتعاملون مع نهي النبي (ص) من دون أن يروا فيه إلزاماً يزعج مسلكهم المستقر الموروث في ضرب الزوجة، إلى أن وجدوا أهل المدينة على غير حال، فانتقلت عدوى نساء المدينة إلى نسائهم، فاستشاطوا غضباً، وكان غضبهم سبباً من أسباب نزول الآية.. مع بقاء الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، في سلوكه وقوله على حاله من المعارضة الهادفة إلى التغيير، ولكنها اتخذت مساراً إرشادياً، لأن تشدده فيها، بما كان يؤدي إلى تصليب المخالفين. إلى قناعتي بأن العنف الزوجي، العنف ضد الزوج، أو الزوجة، لا يقع في منظومة الفكر الديني الواقعي، أي في الدين كما هو لا كما نعرفه ونمارسه في فترة تحت وطأة الأعراف السائدة، إلا في بعده الإناسي، فإن تقريري أن خبرة الرسول (ص) مع السيدة خديجة قد أبدت قناعته ورسختها، فقرأ المسألة قراءة هي أقرب إلى الاعتدال والتوازن بين استقواء قريش على الزوجات، واستقواء نساء المدينة على الأزواج. وهنا يحسن الالتفات إلى أن مدينة (يثرب) ربما تكون متأتية ولو نسبياً، من تعدديتها الدينية، أي الثقافية، من اجتماعها النمطي، أو الأحادي، ومن طغيان التجارة على أسلوب إنتاجها، والتجارة وقتها كانت تقتضي غياب الرجال في رحلتي الشتاء والصيف والمزيد من حضور الغرباء في مواسم الحج إليها، ما يقتضي حسب مقتضى الحال من حجب للمرأة، والزوجة خصوصاً، واستخدام قوة الزوج الذكورية في تسيُّده على الأسرة، ومن دون مشاركة، إلا في حدود ما تمليه خصوصيات في الزوجة تعود إلى نسبها، أو جمالها، أو قوة شخصيتها، أو وجاهة وقوة رهطها.
إذن، وبناء على كون القوامة التي تترتب عليها إباحة الضرب في النشوز مشروطة، فإن شروطها مفتوحة على أي تطور ثقافي أو اجتماعي يسهم في التطوير في مستوى العلائق الزوجية، من ضمن سياق التطور العام، بحيث تدخل المتغيرات في إعادة تحديدها وتجديدها وتوزيعها، أو نقلها من طرف إلى طرف على مقتضى الأهلية المكتسبة. من هنا، وبعيداً عن مسألة الإنفاق المالي، ومع الفرص المتزايدة لشراكة المرأة عموماً، ومنها الزوجة، في الحياة العامة بسبب تمكنها أو تمكينها، أيْ انتزاع حقوقها بيدها، أو منحها هذه الحقوق، بالمتغير من علمها وعملها تحت سقف القانون العام، يتحقق لدينا احتمال أن تكون الأهلية متغيراً أو متحركاً لا يعدم تكييفاً في الشرع وتكيفاً، أي أنه في الأصل متطابق مع هذا الشرع، كما هو في الواقع، أو علم الله لا بما هو معرفة المتشرعين البشرية والخلافية، مما يعني إلغاء حصر القوامة أو قصرها على الزوج أو الرجل حسب المنطوق القرآني. هذا مع حسن التنبيه إلى أن المُباحات، حتى لو كانت الجهة التي تمنعها أو تحرمها جائرة أو مستبدة أو كافرة، فإن الإلتزام بمنع هذه الجهة (السلطة عادة) ليس حراماً على أفراد المواطنين الملزمين تحت طائلة العقوبة على المخالفة. فضلاً عن كون تعدد الزوجات، مثلاً، كأمر محظور في تونس وتركيا مثلاً، هو خيار طوعي للزوج الذي يمكن أن يتفاهم في شأنه مع الزوجة لاحقاً إذا أراد، ويمكن للزوجة إذا أرادت أن تجعله شرطاً من ضمن عقد الزواج ليصبح ملزماً، ومن هنا فلا إثم في الترك، أي ترك التعدد، وإنما الإثم على الجهة التي شرّعت من دون ضرورة ملحة إلى الحد الذي ينفسح لها فضاء الشريعة.. إذن، فقد شرعت تلك الجهة في مكان ليس مكانها كما هو في عرف الفقهاء الذين يدينون بأكثريتهم الدولةَ التونسية والتركية في منعها لتعدد الزوجات من دون أن يكون بإمكانهم إدانة التوانسة، أو الأتراك، الذين يلتزمون بالقانون.
إنه خلاف العدل الإلهي والإنساني أن يقوم الأدنى أهليةً على الأعلى أهلية، حتى لو كان هذا الفارق، أو المؤهل، مكتسباً لاحقاً، أي أن الزوجة قد استطاعت بجدها أن تكتسب المؤهل بعد الزواج، في حين أن الزوج كان قد اكتفى بما عنده، أي ما أهله للقوامة بداية. ولعل حصر القوامة في طرف من دون طرف ودائماً، يقع في موقع المخالفة أو الاختلاف مع العدل الإلهي، لما يعنيه من إخلال بأنظمة الدين والدنيا، ومقاصد الشريعة التي لا تخرج عنها في المحصلة.
أما العلائق الزوجية، الأشد خصوصية، علاقة الاستمتاع المتبادل، الذي هو حاجة وحق للطرفين، من دون تفاوت في هذا الحق، أو ميزة لأي من الزوجين على الآخر، هذه العلائق المتبادلة والمتكافئة والمتعادلة، والتي لا بد أن تكون عادلة، تجعل للنشوز معنى مزدوجاً يؤكده القرآن. يتبادر إلى أذهاننا الآن وفي الماضي، من لفظ النشوز مجرداً، هو نشوز المرأة وحدها، وكأن لفظ النشوز قد وضع في أصله اللغوي لنشوزها رغم أن هذا التبادر يخالف المنطوق القرآني الصريح في المساواة، ما يعني أنه حتى في تلقينا للقرآن، وظواهره غير الملتبسة، ونصوصه المحكمة، نكون خاضعين لمتغيرات ثقافية، وأعراف تأتي من جهة الاجتماع لا من جهة الدين، في حين أن هذه الأعراف والمفاهيم غير المطابقة للدين، والتي نجعلها ديناً موازياً، أو مخترقاً للدين أحياناً كثيرة، إنما تأتي إلى الاجتماع من مكان آخر، من القبيلة التي تميل عادة إلى أن تحتكر بناء عمارتنا العلائقية، وأنظمة قيمها، من دون أي اعتبار، كما يكتسبه أفرادها من معرفة ومواقع متجددة.
عوداً على بدء، نقول: فيما يعود إلى مسألة الاستمتاع المشترك بين الزوج والزوجة، غاية الأمر أننا بحاجة إلى فقه أو فهم أكثر لهذا الحق المتأتي من حاجة تكوينية في المرأة والرجل. ولعل الخلل الذي وقع فيه بعض الفقهاء، قد أتى من حصر حق الزوجة في مجال الاستمتاع، والذي يتحقق نشوز الزوج على عدم القيام به، أي وجوب الموافقة على الزوج للزوجة كل أربعة أو ثلاثة أشهر على خلاف، بناء على استنتاج الخليفة عمر بن الخطاب (رض) بعد مساءلته لشقيقته عن الغائب عنها زوجها لأسباب عسكرية، وعن مدى قدرتها على الصبر.. وإذا ما تعدينا هذا التحديد، فإن كونه حقاً للزوجة أو الزوج مرتبط بالتكوين والتعبير عنه بالرغبة التي لا زمان ولا موعد لها، وضرورات السفر والحياة والاجتماع القصوى.. هذا إذا المقاصد في الشرع هي الأَولى.. وكان الحفظ هو ملتقى هذه المقاصد ومآلها، حفظ العقل والدين والنسل والمال إلخ.
ومن هنا فإن من يجتهدون في جعل النص فضاء للمقاصد يحمون هذا النص في مقابل الذين يفصلون بينه وبين المقاصد أولاً يذهبون إليه من المقاصد، فيعطلون النص والمقاصد معاً. وهنا تواجهنا أفرجة بعض الفقهاء، شديدة الخصوصية، والأقرب إلى الشواذ أحياناً، والتي يمكن عليهم تحديد حق الزوجة في مدى وكيفية الاستمتاع، ليتبين أن هذا الحق قد ألغي نهائياً لصالح الذكورية الأنانية والقاسية.
وإذا ما كان الجنس يسمى حباً في بعض اللغات، فإن لغتنا العربية، لغة فقهنا حسب الفرض، لم تقصر في حشد الجنس بالحب. والأدبيات النبوية في هذا المجال كثيرة جداً، ومترعة بشفافية رسول البشر.. أي الإنسان الكامل.. إذن، فالحب تبادلي، والشفافية فيه، الانسجام القائم على الثنائية، ربما كانت المرأة أو الزوجة هي علاقته الأولى، لأنها الطرف الأشد رقة وحساسية. ولا بد للزوج، والزوج بما هو مثل، أي زوج وزوجة، أي تكامل، أن يَحذر من تحويل متعته إلى آلية مادية صرف، وكأنها أداة صيده، أو عمله، أو وظيفته اليومية.. وعليه، فإنه لابد أن يكون مرّاً وعسيراً على الإستساغة أن يرى بعض الفقهاء أن حق الزوجة بالمواقعة إلزامياً للرجل بعد أربعة أو ثلاثة أشهر من الغياب، وحتى لو كان للسياحة، هو الإدخال!!!..أي للحظة ريثما يكون الرجل قد ألقى حملة واستراح من عبئه..
هذا والمأثور عن الرسول (ص) تشديده النكير على من يتعجل أمره مع زوجته.. ويحذر من أن ذلك ربما يكون نوعاً من دفع الزوجة إلى البحث عن حاجتها من طرق أخرى، لأن هذه المعاملة تبلغ بأشواقها إلى الحب حالةَ الذروة، أي توقظها، ثم وفي ذروة اليقظة تقطعها!!!
إذن، وبالعودة إلى مسألة القيمومة، أو القوامة، يمكننا القول من دون افتئات، بل انتصاراً للشريعة، إنه ليس هنالك من فضل ثابت للرجل على المرأة. لأن الفضل يأتي من جهة التفاوت في الأهلية، وجزئيات النص القرآني التي تشعر بالمفاضلة محكومة بالكليات التي تساوي بين الرجل والمرأة والزوج والزوجة، وهذا ما يقتضيه المنطق والمنهج العلمي في التعاطي مع النصوص المختلفة ظاهراً في الموضوع الواحد، هذا، علماً بأن هنالك أمراً قلما يلتفت إليه من يقرأون آية القوامة، وهو أنها معطاة للرجال على النساء، وليس للأزواج على الزوجات. ولعله من الواضح أن تعميمها للرجال على النساء، أي للنوع على النوع بكل مندرجاتهما، أي مطلقاً، يتنافى مع أبسط مباني الشرع وقواعد الفقه.. إلى ذلك، فإن هذا التعميم محال واقعاً.. وهنا، لا تعدو الزوجة أن تكون مصداقاً للنوع النسوي، يترتب عليها ولها ما يترتب له وعليه مشروطاً بشروط، ومن دون إطلاق، ومن دون تفاضل تكويني، أي أن التفاضل تاريخي ومتغير، والقيمومة تابعة له مترتبة عليه، فهي متغيرة، أو متنقلة، أو مشترَكة بناء على التكافؤ بين أهلية الزوج وأهلية الزوجة.
عدم التفاضل، أي عدم كون فضل الرجل على المرأة مطلقاً ودائماً، يصرح به الفخر الرازي، كما مرَّ،ليمسي التفاضل تفاضل اختلاف وتكامل ليس إلا.. وقد صرّح القرآن في السيدة مريم بفضلها على الرجل. وإذا ما كانت مريم استثناء في عصرها، وقد لا تكون وحدها في هذا الاستثناء، فإن عصرنا لا بد أن يوسِّع مساحة الاستثناء إلى مستوى التعديل في (القاعدة) جذرياً.. بمعنى إعادة تقعيد القاعدة، أو اكتشاف وكشف حدودها، خارج التحديد الذي أملاه المشهد.. ومن دون انقلاب. أنا لا أنصح بالانقلاب، إذ لا يجوز أن تكون حرية المرأة، بمعنى تحقيق ذاتها بذاتها وبغيرها، مسألة ثأرية. ولا يجوز استبدال الأنثوية بالذكورية. والاعتدال والتعادل والمعادلة هو الحل والتركيب، أي أن المشاركة هي الحل الأمثل، وهو المثال، أي الوفاق والجدل الحيوي، لا الغلبة. وإذا ما كانت غلبة الرجل على المرأة، أو الزوج على الزوجة متحققةً لظروف تاريخية، فهي نسبية، وخطأ الرجل أنه اعتبرها مطلقة ورتب عليها نتائج مطلقة. ولا يجوز تصحيح خطأ بخطأ، أو غلبة وهمية مطلَقة بغلبة وهمية مطلقة، لأن ذلك يؤدي بنا إلى تبادل الخسائر لا الأرباح. ومن هنا خوفنا من (الجندر) الذي بدأ تطبيقه الانفعالي والقاسي في الغرب ـ مصدره ـ يثير مخاوف النساء من ذوات العقل والحساب، خوفاً من انقلاب عنف الزوج على الزوجة إلى عنف للزوجة على الزوج. وهو ما لم يخل أي تاريخ، أو أي مجتمع، من مقدار منه، بسبب ظروف خاصة ببعض الزوجات، وبعض الأزواج. وهذا يعني أن احتمال خطر تحول العنف من طرف الزوج إلى طرف الزوجة احتمال قوي، وقد أخذنا أخيراً نسمع ونشهد علامات واضحة على هذا التحول المتسارع.
وفي المحصلة، لا مصدر حقيقياً في الإسلام للعنف ضد الزوجة، وإنما هي مسألة تاريخية، وليس أدل على تاريخيتها من كون ترجيح العنف فيها على اللطف قد قويت شوكته في القرنين الأول والثاني، قرنَي الحريم، أحد نواتج الفتح والتوسع الذي اختلَّت في كثير من التعاملات مع نتائجه صورة المقاصد الشرعية بنحو ما. وإذا ما كان الخلل ناتجاً من إخلال الدولة بدورها، فإن العلاج يأتي أو لا يأتي إلا من الدولة، أو منها أولاً، أي من التزامها بموقعها الحاضن والجامع والرادع. واحتكامها إلى معايير المصالح والمفاسد ومقاصد الشرع ونظام القيم الدينية في ما يتصل بالشأن العام، وبشأن المرأة.
لقد كان من الممكن للفقهاء أن يطوروا وعيهم الفقهي، ويحولوه إلى سلوك عام لو أن إرادتهم في الاستقلال المعرفي عن السلطة كانت أقوى، ولو أن رغبتهم في عدم الإذعان للسائد اجتماعياً كانت حقيقية، ولو أن الدولة أو السلطة القديمة والحديث أبقت للمجتمع الأهلي، ومن ضمنه وفي أساسه الفقهاء العضويون، أي المندمجون، على مسافة موضوعية معرفية بينهم وبين الاجتماع العام، لا كامتياز، بل كوظيفة قيادة ورعاية، ويبقوا، أي الفقهاء، على مكانهم ومكانتهم ودورهم في معالجة شؤون الأسرة والأحوال الشخصية عموماً، لأنهم لم يكونوا يتصدون لها ولغيرها إلا بشرط الاستقلال، الذي يعني الاستقلال والحرية أولاً، لأن الإملاء والإذعان ليس اجتهاداً، ليس فقهاً، والمذعن ليس فقيهاً، وإنما هو مدون لما يدعي أنه فقه وليس فقهاً. وهذا لا تعني تزيين الشغب، بل تشجيع الاعتراض والمساءلة للذات والآخر، سواء كان هذا الآخر دولة، أو مجتمعاً. وبالمساءلة، يتعزز الحوار، وبالحوار يتعزز الإبداع، أي التكييف العلمي المقاصدي والمعياري للوقائع المتحركة.
إن من أهم مصادر الخطر الراهن على عملية الاستنباط الفقهي هو ما تحرص عليه دولنا الحديثة التي تميل إلى استغلال الدين الشعبي، أو الشعبوي في تغطية قصورها وتقصيرها، في حين أنها لتسهل عملية التساهل في شأن العلاج الشرعي لمسائل الحياة الأسرية والزوجية من خلال تسهيلها، أو تساهلها المفرط في شروط القاضي.أما القضاء الشرعي الذي أدخلته في سياق أنظمتها الإدارية، فلا اعتراض عليه، ولكن الاعتراض ينصب على كيفية التعامل معه.. في حين أن ما يمكن أن يعتبر من إفرازات المجتمع الأهلي، وما قبل الدولة الحديثة على الصعيد الفقهي اليومي، أي العلاجي، أي تصدي الفقهاء المجتهدين العدول للمسائل الميدانية، كان أكثر علماً وأخلاقاً والتزاماً وجدوى وتأميناً لسلامة وأمان المجتمع واستقراره، ما يعني أن الدولة الحديثة قد نظمت الفوضى لا القانون أو الحقوق.
ختاماً، أرجو أن يكون اعتراضنا منصباً دائماً على المسلك الوضعي في التشريع، من دون أن أكون ميالاً أو محبذاً أو موافقاً على السلبية المألوفة في لسان الإسلاميين حول القوانين الوضعية مطلقاً.. أي أنني أتحفظ على المس بالبعد الإلهي، أي الروحي للأحكام، وأن يبقى تحصين الإيمان أوّلَ أهدافنا، علماً بأن البعد الإلهي في معناه الأخير والحقيقي هو البعد الإنساني وشرطه الحرية.
يقول رسول الله (ص): (لا تضربوا إماء الله). ونحن نُنْصِف شرعنا وأنفسنا إذا ما قرأنا الشرع قراءة مقاصدية من دون وصاية لأحد علينا، والمشاركة هي غير الوصاية طبعاً.
هذا وليست مسألة (تأديب!!!) المرأة بالضرب شأن المسلمين فقط، وليست محصورة في أهل الريف دون أهل المدينة. على أن العنف ضد الزوج مسألة مطروحة، وفي الغرب خصوصاً. ولقد عارض بعض فقهائنا من قال منهم إن الضرب غير المبرح هو الذي لا يهشم كماً ولا عظماً.. وإن كان لا يهشم الجسد، فإنه يؤلم الروح، ويجرح النفس، ويهشم القلب.. وقال أولئك الفقهاء بأن الرجل أو الزوج يلف يده بمنديل، أو يضربها بمنديل، وكأن الضرب دعابة إظهار غضب، أو عتب، أو عقوبة ودودة.
ويبقى السؤال قائماً حول موقع المرأة في هذا المشهد الرومانسي، بين معاقِب ومعاقَب، ونعومة المعاقب ولطف العقوبة، ليس جواباً شافياً. هو جواب قاسٍ ملطّف، فيه إشارة لا تخفى إلى أن الزوجة موضوع للزوج وهو حكمها.. وفي الشريعة الإثنان موضوع الحكم الذي يجري خلفهما وهما يحفظانه عندما يكون اجتهاداً علمياً عادلاً في حقهما.



del.icio.us
Digg
التعليقات (0 مرسل):
أضف تعليقك