أناجيل الظل(1) ... وإنجيل مريم المجدلية
الدكتورة ماري شهرستان *
*باحثة في التاريخ السوري، ومترجمة.
يتعذر على علم الكتاب المقدس تقديم جميع أحداث سيرة يسوع( )، وكافة جوانب تعاليمه، بطريقة تاريخية منسقة أكيدة( ). كما يتعذر علينا اعتماد نص إنجيلي واحد لإعطاء فكرة تحليلية كاملة عن هذه المواضيع. ويضاف إلى ذلك الصعوبة الناجمة عن كثرة الترجمات، وغالبيتها ترجمَت عن اليونانية، ولا يوجد في شرقنا العربي ترجمة عربية موحدة للإنجيل، بل تعدُّد طبعات يعكس الاختلافات العقائدية والتنوع الطائفي. والسؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا تكون الترجمات بغالبيتها مأخوذة عن اليونانية، وليست عن الآرامية، اللغة الأساس للرسالة؟ فإذا عدنا إلى التعبير "إنجيل"، ومعناه باللغة السورية، بلهجتيها الآرامية والكنعانية، نجده مؤلفاً من ضم كلمتين "إنجي ـ إيل"، الذي يعني باللهجة العربية "نجِّنا يا الله"( )، لكن هذا المعنى خضع للتغييب، لأن ظروف نشأة المسيحية حصلت في ظل الهيمنة السياسية الرومانية والثقافية اليونانية، ما جعل المعنى يُعزى على الدوام إلى مصادر لغوية لاتينية evangélium، ويونانية euaggelion، وهي كلمة تعبِّر عن البشرى. ثم رسخت هذه التسمية واتخذت لاحقاً معنى أكثر إيضاحاً وتفصيلاً، إذ أصبحت تعني سيرة حياة المسيح وتعاليمه وعظاته ووصاياه التي بشَّر بها التلامذة في سوريا وعبر الحدود.
وبعد اعتماد قانون الإيمان المسيحي وأسُسه، أقامت الكنائس لائحة رسمية بالأعمال المُلهَمة بالإيمان الحق: فسميت "القانون الحق"، الذي أصبح يسمى بقائمة الكتب المقدسة، أو الأناجيل النظامية المتفق عليها بأقلام الرسل الأربعة( ): متى، ومرقس، ولوقا، ويوحنا، وهي تعني مجموع تعاليم المسيح وحياته منذ الولادة إلى ما بعد القيامة، حيث اكتسبت عبر تبنيها وترسيخها معنى القانون، أوالشرع، أي النص المرجع كقاعدة مطلقة غير قابلة للتغيير، فكل نص آخر يكون مقصياً وخارجاً عن القانون الحق.
غير أنه بزغت لاحقاً مذاهب فكرية معارضة، بعضها ترفض عقيدة الثالوث الأقدس، وأخرى تنكر ألوهية المسيح، وأخرى تنكر الحقيقة المادية لجسده، فتنبَّهت الكنيسة لهذه العقائد، وتصدت لها بقوة وحزم، واعتبرتها وغيرها نوعاً من الهرطقة الناجمة عن تزوير النصوص لتضليل النفوس. لكنَّ العمل السري استمر، وظهرت أناجيل عديدة خارج الكنيسة، سميت بالأناجيل السرية تارة، وأناجيل الظل تارة أخرى، وتعود في معظمها إلى القرون المسيحية الأولى، وهي مكتوبة باللغات المتوسطية، كالآرامية، والقبطية، والعبرية، والحبشية، والعربية، واليونانية؛ وصل بعضها إلينا كاملاً، ووصل بعضها الآخرناقصاً، أو مشوَّهاً.
لكن ما هو هرطقة بالنسبة إلى الكنيسة كان حرية متوقدة بالنسبة إلى فرق صغيرة. وأناجيل الظل (أو المنحولة)( ) لا تستحق أن تعتبَر معادية للأناجيل النظامية وتُحارَب بالقسوة التي تم التعامل معها في أغلب الأحيان، لأنها ليست من الأعداء، بل مكانها الصحيح هو في القرابة ضمن العائلة الكبيرة نفسها. على أي حال، لم تعد اليوم هذه الكتابات مؤذية في شيء، فقد غيّرت الكنيسة موقفَها، وضمّت منها بعض العناصر التي تراها هامة للعقيدة، معتبرة أن حب المسيح نفسه هو ملهِم هذه الكتابات.
ضمن مدونات الظل هذه ثمة عدد كبير من الأناجيل، ينوف عن400، وثمة وثائق تندرج ضمن فئة "أعمال" و"رسائل" و"مخطوطات"( ) و"رؤى"؛ وهي لم تكتب لإلقاء الشبهة على المدونات الرسمية المعتمدة، بل لتضيف إلى التراث المسيحي أفكاراً توضح مجرى الأحداث، وتعبِّر عن معتقد كاتبيها ومتَّحَداتهم؛ وهي تفيد في تحليل تاريخ السيرة وتطور العقيدة وبناء أعرافها، وتعطينا مؤشرات عن شمولية الرسالة بفلسفتها الاجتماعية ـ الإنسانية الموجهة للخاصة والعامة في آنٍ معاً.
من جهة أخرى، تبدو هذه الكتابات مختلفة بعض الشيء، فهي لا تنتمي إلى الكتلة نفسها، لقد عَدّلت طبيعة الرسالة المبلَّغة وشكلَها ومعناها، رغم أن بعضها لم يمسَّ بالثوابت وبالعقيدة الأساس. وهي أتت في موقع ثانوي في الزمان وفي المقام، فكانت الأناجيل النظامية قد تم إنجازها عندما بدأت المنحولة بالازدهار، وذلك اعتباراً من القرن الثاني. إنها رد فعل على الكلام الجديد، وتعبيرعن قلق وانفعال وحساسية شديدة:
فقد غمر المبشرون الأوَّلون الأرواح، وجعلوها مفعمة بالإيمان، بحيث طالبت بالمزيد من المعلومات الجديدة بحرارة متأججة: ماذا قال أيضاً يسوعكم؟ كيف ولد وكيف مات؟ ماذا حصل له في السجن؟ كيف صعد ثانية إلى (الله) الأب؟ فضول ديني قوي. ومن يستطيع أن يلوم هذا الوله، وهذا العطش الذي يطلب أن يؤمن أكثر فأكثر.
ولمّا لم يكن عند الأناجيل النظامية ما تضيفه، سارعت الكتاباتُ المنحولة إلى استقصاءالمراحل الغامضة والتفاصيل المغفَلة، حيث أدى ذاك الصمت الشرعي إلى تحرير البلاغة السرية لتنتج أناجيلَ الظل. أما بالنسبة إلى المؤلفين، والكتبة، والتواقيع، فقد تمَّ تداولُ بعض هذه الأناجيل في المتحَدات دون اسم المؤلف، بفعل التقوى، إذ أن المريدين يثقون بقلوبهم ومشاعرهم أكثر مما يثقون بمعايير النسخة العلمية، فهم يفترضون المنشأ الرسولي لهذه الكتابات، ويعمّدونها باسم مقدّس دون أي تساؤل. ولم يكن الكاتب يعدُّ نفسَه مؤلفاً بل مفسّراً، أما "حقوق المؤلف" فلم يكن التاريخ القديم يوليها أهمية، وكان يكتفى بصيغة واحدة للتعريف بجميع الكتّاب وهي: "لقد كُتِبَ..".
ربما يمكننا اعتبار هذه الكتابات وثائق تاريخية حول تقوى القرون الثلاثة الأولى، وشواهد على انبثاق وتأملات المذاهب الأولية. أما بالنسبة إلى تنوّعها، وتناقضها أحياناً مع بعضها بعضاً، فذلك يعود إلى التشتت الجغرافي والثقافي، وتوزع الإيمان ضمن متحدات صغيرة منعزلة من جرّاء الاضطهاد ومظاهر التعصب وعدم التسامح. وكان ذلك حال اليهو ـ مسيحيين، فهم قد طُرِدوا من الكنيس، ولم يلاقوا قبولاً حسناً في الأوساط ذات الأصول الوثنية، فحاولوا الانغلاق بشكل طوائف حقيقية. وقد ألّف بعضهم أناجيل تتلاءم مع عاداتهم ومتطلباتهم. فأناجيل الظل تعبِّر عن هذه الروحية الإقليمية.
ولما كان اتشار الرسالة وفهمُها عدوَّين لدودين، لم يكن ممكناً التوفيق بين أمرين مفروضين: الإخلاص العقائدي، واتساع الحقل التبشيري؛ فالكلمة تسافر دون رقيب أحياناً، فتفلت من السلطة المؤسسة، وتَفقد نقاوتَها وتعبث في الطريق، فتتأثر بالتقاليد المحلية؛ وبما أن الرسالة لم تصل إلى صحراء، بل اجتاحت منطقة من العالم مكتظة بالإثنيات والمذاهب والفلسفات، وفيها كل ثقافات البحر الأبيض المتوسط وآسيا، فإن التبشير بالإنجيل أعاد إنتاج هذه الوفرة، حيث كان من غير الممكن تسويتها، أو تعديلها. بالإضافة إلى ذلك، كان التلامذة قد قسَّموا الأرض المسكونة إلى مناطق تبشير، فذهب "توما" إلى شمال غرب إيران، وذهب أندراوس إلى شرقه، وذهب "يوحنا" إلى آسيا، و"بطرس" إلى روما. أما فيليب، فذهب إلى اليونان. وقد أضفى كل واحد منهم أصالة على تبشيره، بحيث ظل خلفاؤهم يتذكرون هذا التميّز على مدى الأزمان. ومنذ البدء حُفظت رسائلهم في المتحدات المؤمنة، لكن ليس بشكلها الحالي، فقد بقيت شفهية لمدة طويلة. ومع مرور الزمن، أدى الوضع الهش للذاكرة إلى الكتابة، فتم ذلك في الإطار الكنسي، ولكن ليس قبل عام 70 بالنسبة إلى الأناجيل المتوافقة، وليس إلا بعد 100 سنة بالنسبة إلى رواية القديس يوحنا. استَخدمت هذه النصوص المستودَعة موادَّ مكتوبة سلفاً، فوُضِعت وثائق الحكم وأجزاء السيرة بجانب شواهد من التراث الشفهي، لذلك ينبغي ألا نتعجب إن ضاع من هذه التعاليم بعض المقتطفات التي اعتبرها النظاميون فتاتاً لا يُغْني عن الخبز الإنجيلي؛ غير أن هذه الحفنة من المعلومات كانت في رأي بعض المؤمنين هامة رغم خفتها، إذ هي تؤسس لعناصر تراثية أساسية.
فماذا قدَّمت هذه الأناجيل من اختلافات، أومعلومات، لم تقدمها الأناجيل النظامية؟
في هذه الأناجيل نكتشف عداء التلميذ بطرس الشديد للمرأة، كما كان حال المجتمع اليهودي آنذاك، ووضوح فكر المسيح الثوري بهذا الشأن، ومناصرته لمساواة المرأة بالرجل بلا تحفظ... فتبدو مفاهيمه نهضوية إلى أبعد الحدود، ومختلفة تماماً عن المفاهيم السائدة، فهو قد شخص حالة المجتمع الذي أدلج التمييز ضد النساء، مطلقاً العنان لممارسات ذكورية متفاقمة. كما لمس حالة الأنوثة المقهورة المستبعَدة والمستعبَدة، والتي تظهر جلية في رجم الزانية في الأناجيل النظامية والمنحولة، وفي تصريحات اليهود: "شريعتنا لا تقبل شهادة امرأة"( ). هنا تبدو لنا شريعة يسوع مختلفة ومتطورة بإنشائه لوضع مختلف، فقد ثبت أن بين تلامذته امرأة وهي مريم المجدلية( )، رغم معارضة التلميذ بطرس الذي أراد إقصاءها، حيث كان يردد مستنكراً: "فلتخرج مريم من بيننا، لأن النساء لسن خليقات بالحياة"( )، فيجيبه يسوع: "وها أنا ذا سأجذبها حتى أجعلها ذكراً كي تصبح هي الأخرى روحاً حيّة مثلكم أنتم الذكور! لأن كل امرأة تصبح ذكراً تدخل ملكوت السماوات( )!".
ولمريم المجدلية إنجيل قد كتبته أسوة بسائر التلامذة كتبةِ الأناجيل، واسمه:"إنجيل مريم المجدلية" (جزء ب. ريلاند III، 463)، لقد وصلنا هذا الجزء باللغة القبطية، وهو مدمج بالأدب القبطي ذي الطابع الغنوصي. ويعود تاريخه إلى القرن الثاني: وفيه الحديث التالي:
"... بقية الدرب، برهة، زمن، قرن، استراحة وصمت". صمتت مريم بعد أن قالت هذه الكلمات، وكأن المخلِّص كان يكلمها حتى هذه الساعة. قال أندراوس: "يا إخوة، ما رأيكم بأقوالها؟ بالنسبة إليّ، لا أعتقد أن المخلص قد أبلغ هذه الأحاديث، التي تبدو غير منسجمة مع فكره". فقال بطرس: "هل يكون الرب قد تحدَّث إلى امرأة سرّاً، دون علمنا، كي يسمعه الجميع إذ هو سُئل حول هذه المسائل؟ إلا إذا كان المخلِّص يريد إظهار أنها تستحق تقديره أكثر منّا!..."( ). "قال لاوي( ) لبطرس: "يا بطرس، إنك دوماً على أهبة الاحتداد، وأنت الآن تناقش هذه المرأة وكأنك عدوَّها. فإذا قيّمَها المخلص أنها كفؤ، من أنتَ كي تبخسها قيمتها؟ على أي حال، فهو أحبَّها حتماً عندما رآها. حريّ بنا أن نخجل، وإذ نحن متخذين صفة الرجل الكامل، فلنتمِّم ما قُرِّرَ لنا أن نقوم به. فلنبشِّر بالإنجيل دون أن نحذف منه أو نزيد على تعاليمه، كما تحدث به المخلص". بعد أن قال ذلك، ذهب لاوي وأخذ يبشِّر بإنجيل مريم.
وعندما سألوا المسيح : "متى ندخل الملكوت؟" فقال لهم: "عندما تجعلون من الكائنين كائناً واحداً، وتجعلون الباطن مثل الظاهر والظاهر مثل الباطن، والأعلى مثل الأسفل! وإذا جعلتم الذكر والأنثى شخصاً واحداً، حتى لا يبقى الذكر ذكراً ولا تبقى الأنثى أنثى. ولما سألته صالومة: "متى ستتحقق الأحداث التي تكلمتَ عنها؟ فقال لها السيد: "عندما تدوسين بأقدامك لباس العار وعندما يصبح الاثنان واحداً، ويتحد المذكر بالمؤنث، ولا يبقى فرقٌ بين رجل وامرأة". ثم تابع: "عندما تعتقدون أن الاثنين هما واحد وتصبحون ابن الإنسان فإذا قلتم "للجبل تحرك!" فسيتحرك".
أما في إنجيل توما الغنوصي( ) فتظهر آراء المسيح الفلسفية واللاهوتية جلية عبر تصاريح سرية أدلى بها إلى تلامذته، مفادها أن "الأب والابن والروح القدس لم يكونوا سوى ذات واحدة في الشخص نفسه". وفي قول له: "الآن، عندما ترون ظاهركم فأنتم تُسرّون. لكن عندما سترون صوركم أنها قد حصلت قبلكم، وهي لا تموت أبداً، ولا تتجلى أبداً، أي عظمة سوف تتحملون؟" هل قصد المسيح بذلك خلود الروح بالتناسخ؟. ويقول:
" إذا سألكم الناس: من أين أتيتم؟ ـ قولوا لهم: "لقد أتينا من "النور"، من المكان الذي تكوَّن فيه النور [.......] خارج ذاته [أو: من ذاته]. هو [.........]... إلى حين يظهرون...[......] صورهم.
وإذا سألوكم: "من أنتم؟" قولوا: "نحن أبناؤه ونحن المصطفون من الأب الحي. إذا سألكم الناس: "ما هي علامة الأب فيكم؟" قولوا لهم: "إنها حركة واستراحة"( ). وقال: "لقد خُلق آدم من قدرة كبيرة وغنى كبير؛ لكنه لم يتلقَّ [.........] ما هو خليق بكم، لأنه لم يكن خليقاً بألاّ يخضع للموت". "إذا نتج الجسد عن الروح، فهذه معجزة. أما إذا نتجت الروح عن الجسد، فتلك معجزة المعجزات. أما أنا، فأتعجب من ذلك لأن [.......] هذا الغنى الكبير ظلَّ في هذا الفقر".
ووفق النعسانيين( ) جاء في الإنجيل المسمى إنجيل الأقباط( ): "إن من الصعب رؤية النفس وتكوين فكرة عنها، لأنها لا تظل في الحالة نفسها، ولا بالشكل نفسه، ولا بالتأثر الأولي نفسه، بحيث يتاح تصوّر شكلها وجوهرها". وإن التلميذ "متّى" كان يعلمهم بهذه الأقوال: "ناضلوا ضد الجسد وعاملوه بازدراء..." "الذي عرف العالم سقط ضمن الجسد؛ والذي سقط ضمن الجسد، ليس العالم خليقاً به". وجواباً لسؤال عن العفة: هل ينبغي أن يتزوج الحكيم؟ هل نقول بعدم شرعية الزواج، هل نرفض الحياة الجسدية؟، يقول يسوع (في المخطوطة): "أما أنتم فاجهدوا كي تتكاثروا، حيث أنكم قلائل، ولا تتحولوا من الكثرة إلى القلة". وعندما سأله التلامذة عما يخص بعض المعتقدات والممارسات التي كانت سائدة آنذاك كالسؤال التالي: "هل الختان مفيد أم لا؟" فقال لهم: "لو كان الختان مفيداً لكان آباؤهم خلّفوهم من أمهاتهم مختتنين سلفاً، لكن الختان الوحيد الحقيقي هو ختان الروح الذي فيه كل الفائدة".
وفي إنجيل توما الغنوصي أيضاً يسألونه: "هل تريد منا أن نصوم؟ وبأي طريقة سنصلي وندفع الزكاة، وأي أسلوب في التغذية ينبغي علينا احترامه؟" فيقول: "لاتتفوهوا مطلقاً بأكاذيب، ولا تفعلوا أبداً شيئاً كرهاً بأحد".
هذه الحكم لا تتناقض مع ما نهى عنه بولس الرسول المؤمنين لاحقاً بقوله: "أن تمتنعوا عمّا ذُبح للأصنام، وعن الدم، والمخنوق، والزنا، التي إن حفظتم أنفسكم منها فنعم ما تفعلون( ). وفي رسالة أخرى يقول: امتنعوا عن الدم والميتة واللحم الفاسد.
وفي إنجيل الفقراء في النصف الأول من القرن الثاني الذي تم اعتباره كتاباً هرطوقياً، أرادت المجموعة المؤمنة به فرض تقاليدها الصارمة ونير الشريعة على الوثنيين. أنكرت ألوهية يسوع، وأنكرت فرض الإماتات، وجاهرت بعقيدة التغذية النباتية ليوحنا( )، كما للمسيح. إنهم مجموعة من النباتيين أصلاً، من الذين ينادون بالامتناع عن اللحوم. وقد ظهر هذا النص في طائفة الفقراء الغنوصية ـ اليهودية، التي استمدت اسمَها من كلمة عبرية تعني فقراء (إيبيونيت)، وورد فيه أن التلامذة سألوا يسوع: "أين تريد أن نهيأ لك الفصح لتأكله؟" فأجاب: "هل تعتقدون أنني راغب رغبة كبيرة أن آكل معكم لحماً في هذا الفصح( )؟".
وللمسيح وقفة واضحة وصريحة تجاه التفاوت الاجتماعي، وسوء توزع الثروة الإنسانية، فيقول في المخطوط رقم(1): "تحزن نفسي على أبناء البشر لأنهم عميان بالقلب ولا يرون الفقر". وكان يشكو من الذين يعيشون في الثروات والملذات، دون أن يعطوا شيئاً للفقراء، وكان يُنذِرهم بأنهم سيدانون إنْ لم يغيثوا المعدمين من ذوي القربى، الذين ينبغي أن نحبهم كما نحب أنفسنا تماماً( ). وفي قول له: "من أصبح غنياً فليسد، ومن عنده القوة فليكن رحيماً!". وفي المخطوطة رقم 1081 يقول يسوع: "كل ما يأتي من الفساد سوف يزول وفق نظام الفساد، وما يأتي من النزاهة لن يفنى، بل يبقى نزيهاً، بما إنه ينتمي إلى النزاهة. بعض البشر قد ضلوا، إذ لم يروا إلا الفساد..."
لقد صاغت أناجيل الظل أساسَ الحب المريمي في التراث المسيحي بسردها القصة العائلية لمريم العذراء، فيحدثنا مخطوط ما قبل الإنجيل( ) وفق يعقوب( ) عن تاريخ والدَي مريم، واكيم وحنة، التي حققت صلاتُها( ) المستجابة صلاة سارة، فتأتي مريم إلى هذا العالم بولادة عجائبية( ) على غرار ما أعطى الله لإبراهيم ابناً أسماه إسحق. ثم يحدثنا عن تسليم مريم إلى المعبد بعمر الثلاث سنوات، حيث تغذت بأيدي ملاك، وفي الثانية عشر من عمرها عُهد بها إلى يوسف ليتزوجها وهو في التسعين من عمره، ليؤكد النص بعد ذلك على طهارة جسدها المطلقة بأنها حملت في غيابه( ) وعاشت منذ حملها محاطة بالملائكة، لأنها حملت وولدت من أجل الله، وأصبح جسدها بيت القربان( ).
كما أننا نعلم من هذا الإنجيل أن بشارة جبريل لمريم قد حصلت قرب نبع ماء، لأن خادم إبراهيم قد وجد في المكان نفسه خطيبة إسحق.. والمراد من ذلك هو البحث الدائم عن توافق بين العهدين القديم والجديد، كما في تفاصيل ولادة( ) المسيح وطفولته وقصة مغارة( ) الميلاد التي ترويها الأناجيل السرية بقصد إثبات تحقق نبوءة إشعيا: "سيسكن المغارة المحفورة في الصخر" (إشعيا 22,16).
أما بالنسبة لإنجيل توما الفيلسوف "الإسرائيلي"( )، والذي ليس له أي علاقة مع تلميذ المسيح، ولا مع توما الغنوصي، فثمة شك بأن يكون صاحبه فيلسوفاً، لأن النص يوحي خيالاً أكثر منه حكمة، وسذاجة أكثر منها تصوفاً.. حيث يخلق يسوع الطفل عصافير من تراب صلصال، ويشفي المرضى، ويحيي الموتى... كما يتحدث النص عن نبوغ يسوع في المدرسة، وعن معلميه، مثل زكا الذي قال ليوسف: لديك ابن مليء بالدهاء والذكاء". كنت أبحث عن تلميذ فوجدتُ معلماً".
ويلقي إنجيل قبطي الضوء على قصة يوسف النجّار( ) التي رواها يسوع للتلامذة على جبل الزيتون فكتبوها بأنفسهم ووضعوها في مكتبة أورشليم؛ ويعتبَر هذا الإنجيل الوثيقة الأولى التي تبدي تقديساً ليوسف والد( ) المسيح خصوصاً من قبل النساك الأقباط. ويصف المسيح فيه أباه بأنه كان مثقفاً حكيماً، وماهراً في فن النجارة، وأنه تزوج امرأة قبل مريم، وهبته أربعة صبيان ( )هم: يهوذا، ويوسي، وسمعان، ويعقوب، وبنتين هما: ليزيا وليديا. ماتت هذه الزوجة الأولى وتركت يعقوب، وكان لايزال شاباً؛ ولما اتحدت معه مريم كزوجة، بعد أن وقعت القرعة عليه في معبد الرب، وجدت يعقوب الصغير حزيناً حزن اليتيم فرعته بحنان؛ لذلك سُمّيت أم يعقوب. ثم يتحدث يسوع عن (تجسده)، أي عن حمل والدته الطاهر في غياب والده، وأنها كانت في الرابعة عشرة من عمرها؛ ويقول: "ومنذ أن وَلدتني العذراء بقيت معهم بخضوعٍ تام (يتناسب) مع صفة الابن. إذ إنني في الحقيقة، قمتُ بجميع أعمال البشريّة عدا الخطيئة( ). وكنتُ أنادي مريم أمي، ويوسف أبي، وكنتُ أطيعهما في كل ما كانا يقولانه لي( )، وكنتُ أحبهما كثيراً".
ويتحدث بـألم شديد عن اليوم( ) الذي مات فيه أبوه: "بكيت عندما رأيت الموت يقهره، وعند سماع كلام اليأس الذي تلفظ به". ثم يخاطب( ) ربه طالباً منه دعماً وموكباً لمرافقة روح أبيه إلى العالم الآخر "عندما أسلم الروح، قبّلته. وأخذت الملائكة نفسه ووضعتها في قماشٍ حريري ناعم، وجعلتُ روحَه محروسة بميخائيل وجبريل، وكانت الملائكة تنشد أمامها إلى أن سلموها إلى أبي الرؤوف".... ثم يبوح بحزنه الشديد لدرجة أنه تمدد على جسد يوسف وبكاه لمدة طويلة.
أما آلام المسيح وموته وقيامته، فنجدها في مجموعة أناجيل آلام المسيح، وفي أقدم نص سرّي منها، وهو إنجيل بطرس الذي وجد في أخميم (مصر العليا) عام 1886، في مقبرة أحد النساك. وأصوله على الأرجح سورية تعود لأعوام 130. وفيه نجد خلاصة محاكمة يسوع، ثم حادثة الجلد والصلب والآلام( ). ويصف فيه الكاتب هدوء المسيح رغم الشراسة التي عومل بها: "أما هو فكان صامتاً كما لو أنه لم يشعر بأي ألم". كما يعبر فيه بطرس عن حالة التلامذة: "أنا ورفقائي كنا في حزن شديد مجروحين في نفوسنا، فبقينا مختبئين لأنهم يبحثون عنا كأننا أشرار نريد أن نحرق المعبد".
وفي أعمال بيلاطس نعلم أن يوسف الرامي كان عضو المجلس اليهودي وصديق المسيح وبيلاطس في الوقت نفسه، فطلب منه جثمانه، ثم أنزله من على الصليب، ولفه بالكفن الأبيض، ووضعه في قبر منحوت في الصخر؛ فغضب اليهود وسجنوا يوسف، فأنقذه المسيح بعد القيامة.
أراد كتّاب هذه الأناجيل التركيز على العجائب لإرضاء المؤمنين الطيبين، أما التركيز على ألوهية المسيح، فكان لإيمانهم بفكره الثاقب من جهة، أو لأن البدائل من جهة أخرى كانت إما آلهة جامدة في الأصنام الحجرية، أو يهوه الإله المتعالي البعيد فوق رؤوس الجبال، فظهر يسوع بالنسبة إليهم إلهَ أحياء يداوي هموم البشر، وربّاً على الأرض يعد بالنور، ويرتفع ويغيب.



del.icio.us
Digg
التعليقات (0 مرسل):
أضف تعليقك