أساطير (الزواج المقدس) عند العرب في الجاهلية
السرديّات المبتورة
د.فاضل الربيعي*
* مفكر عراقي متخصص في الميثولوجيا، مقيم في دمشق، من مؤلفاته: (فلسطين المتخيّلة: أرض التوراة في اليمن القديم).
يروي جيمس فريزر في "الغصن الذهبي" أنه عندما كان في غينيا الجديدة (أستراليا) يدرس أحوال القبائل البدائية وتاريخها هناك، واجه صعوبة لا تصدق عند محاولته إقناع "البدائيين" بأن يرووا له شيئاًً من "تاريخهم"، ذلك أنهم كانوا في كل مرة يطلب فيها منهم رواية التاريخ، يقومون برواية أسطورة من أساطيرهم. إن افتقادهم للقدرة على التمييز بين التاريخ والأسطورة لا يتعلق بانعدام معارفهم، أو جهلهم المطبق بالفروق بين الكلمتين؛ بل لأنهم صاغوا مفهوماًً موحدّاًً يجعل من التاريخ والأسطورة شيئاًً متماثلاً. كما أن المبنى اللغوي والوظيفي لكلمتي Historia (اليونانية)، والإنجليزية (History)، وكلمة (أسطورة) قد يجعل من هذا التطابق أمراًً غير قابل للتفكيك.
إن التاريخ في المجتمعات القديمة يتماهى باستمرار مع الأساطير، وهما معاًً يشكلان بنية متشابكة السطوح، يختلط فيها ما هو ديني بما هو تاريخي، والعرب القدماء في طفولتهم البعيدة، شأنهم شأن كل الجماعات البشرية الأخرى، كانوا يمتلكون مثل هذا المفهوم الموحَّد الذي يندمج فيه التاريخ بالأسطورة، بحيث يبدو أحدهما دالاًّّ على الآخر. لقد نظر الاستشراق إلى تاريخ العرب استناداًً إلى هذا التماثل، بوصفه دليلاًً على "بدائية العرب"، وافتقادهم إلى معارف عميقة للحياة والكون والموت والميلاد، ولذا أشاعت الدراسات التاريخية الغربية فكرة أن العرب لا يمتلكون "مثيولوجيا" خاصة بهم بالمعنى الدقيق للمفهوم، وأنهم كانوا يروون القصص والحكايات، عندما يُطلب منهم أن يسردوا تاريخهم القديم. بيد أن العرب، وكما برهنا في مناسبات مختلفة؛ كانوا على العكس من ذلك، يمتلكون خزيناًً مثيولوجياً هائلاًً، يتضمن تصوراتهم وأفكارهم عن العالم والحياة والموت والخصب والعادات الاجتماعية. في هذا الإطار، سيكون من النادر رؤية دراسات رصينة لأساطير العرب الخاصة بـ"الزواج المقدس". وقد يكون أمراًً مفاجئاًً لأتباع المدرسة الاستشراقية المعاصرة أن يشاهدوا أيَّة محاولة لاقتحام أسوارها وتحديها بتقديم منظور جديد.
تروي أسطورة عربية قديمة، تعرف عند الإخباريين بأسطورة (أساف ونائلة)، جانباً ًمنسياًً من التصورات المركزية في نظرة العرب للمرأة. لكنها تروي بشكل أخص فكرتهم عن عبادة إله الخصب، والظروف التي بزغت فيها تقاليد الزواج المقدس. إن الدراسات التاريخية التي وضعها المستشرقون الغربيون عن نص هذه الأسطورة، وكذلك بعض الدراسات التي وضعها مؤرخون وباحثون عرب، ساروا على خطاهم بطاعة شبه عمياء ومفتقدة لأي حس نقدي، قد أدّت في بعض الحالات وبصورة منتظمة إلى تدمير الرسالة الرمزية للأسطورة، وفي حالات أخرى إلى تدميرها كلياًً، بحيث جرى التعامل مع التصورات المركزية عن المرأة وأنماط الزواج القديمة عند عرب الجاهلية، كما لو أنها مجرد أفكار بدائية لجماعة بشرية لم تكن تمتلك معارف حقيقية. والمثير للدهشة أن المستشرقين الغربيين ظلوا يقللون من شأن العرب في طفولتهم البعيدة، حتى وهم يكتشفون أن الخزّان الثقافي القديم كان يطفح بالأساطير الشيِّقة. كما جرى الإلحاح على فكرة زائفة تقول إن العرب كانوا يمتلكون بدلاًً من "المثيولوجيا" قصصاًً وحكايات طريفة لا ترقى إلى مستوى الأساطير بالمفهوم الأنثربولوجي الغربي، وأن مروياتهم الإخبارية لا تتخطى عتبة المرويات "الخرافية". ولم تكتف بعض هذه الدراسات (ودراسات بعض الباحثين العرب أيضاًً) بتجاهل النص المدهش لأسطورة أساف ونائلة وحسب، وإنما استمرت في تقديم قراءة خاطئة له، ساهمت في إشاعة نمط "استعماري" من الصور الاستشراقية الموظفة في إطار المركزية الثقافية الأوروبية (بتعبير سمير أمين) عن ثقافة الآخر البدائي والمتوحش. لقد كان الغرض منها، باستمرار، إنشاء تمايزات زائفة بين المجتمعات الإنسانية تقوم على فرضيات لا قيمة لها. تكمن أهمية أسطورة أساف ونائلة التي رواها كثرة من الإخباريين العرب (مثلاًً الأزرقي، المسعودي، ابن اسحق، الطبري) في أنها تقدّم تصوراًً برّاقاً عن نمط زائل من أنماط العبادات التي ارتبطت بطقوس الزواج المقدّس.
تقول الأسطورة:
إن جُرْهُماً(1) لمَّا طغت في الحرم دخل رجل منهم وامرأة يقال لهما أساف ونايلة (نائلة) البيت، ففَجَرا فيه، فمسخهما الله تعالى حجرين، فاُخرجا من الكعبة، فنُصبا على الصفا والمروة، ليعتبر بهما من رآهما، وليزدجر الناس عن مثل ما ارتكبا. فلم يزل أمرهما يدرس ويتقادم حتى صارا صنمين يُعبدان. وقال بعض أهل العلم: أن عمرو بن لحي دعا الناس إلى عبادتهما، وقال للناس: إنما نُصبا ها هنا لأن آباءكم ومَن قبلكم كانوا يعبدونهما وإنما ألقاه إبليس عليه. وكان عمرو بن لحي فيهم شريفاً سيداً مطاعاً ما قال لهم فهو دِينٌ مُتَّبَع، قال: ثم حوَّلهما قصي بن كلاب(2) بعد ذلك، فوضعهما يُذبح عندهما (في الكعبة) عند موضع زمزم، وقد اختلف علينا في نسبهما، فقال قائل: أساف ابن بغا ونايلة (نائلة) بنت ذئب، فالذي ثبت عندنا من ذلك عمن نثق به منهم عبد الرحمن بن أبي الزناد كان يقول: هو أساف بن سهيل، ونايلة بنت عمرو بن ذيب (ذئب). وقال بعض أهل العلم: إنه لم يَفجُر بها في البيت، وإنما قبَّلها، قالوا: فلم يزالا يُعبدان حتى كان يوم الفتح فكُسِرا.
ما تقوله الأسطورة هو التالي: إن العرب في الجاهلية، تعبدّوا لإلهين كبيرين (معبودين) هما الإله أساف والإلهة نائلة، وأنهما كانا يمثلان رمز الزواج المقدّس، وأن هذه العبادة ظلت مستمرة ومتواصلة حتى فجر الإسلام. لكن الأسطورة، من جانب ٍ موازٍ، تعرض على متلقيها فكرة منسيّة عن معارف العرب القديمة الخاصة بالزواج المقدس الذي كان يجري في المعبد، في سباق التقرّب والحصول على البركة الإلهية للنسل. لقد كان هذا النمط من الزواج يرتبط بالمعبد، كلياً وبصورة عضوية، ولذلك تخيَّلَ ساردُ النص أن الحجرين، حسب وصف الأسطورة، هما في الأصل تمثال واحد، يمثل رجلاًً وامرأة ملتصقين ومندمجين، وقد وصفه ابن الكلبي بدقة(3). ويبدو أن الكعبة في وقتٍ ما من تطور مكانتها الروحية عرفت هذا النمط من الزواج، لكن العرب والمسلمين تالياًً لم يعودوا يتذكرون بدقة كافية تاريخ نصب هذا التمثال (الصنم) في فناء الكعبة، قبل أن يُنقل ليوضع في جوفها، ثم عند فوهة بئر زمزم، وربما لهذا السبب رووا قصة قيام أساف بمواقعة نائلة أثناء الطواف حول الكعبة في موسم الحج، وأن الله مسخهما حجرين عقاباًً لهما، لكنهما عُبدا وأصبحا جزءاً من البيئة الروحية في الجزيرة العربية قبل الإسلام. فما الذي تعنيه لنا، نحن المعاصرين، أسطورة من هذا الطراز؟
إن الجهاز السردي للأسطورة، أي أسطورة، ومهما كانت قيمتها، يقوم برواية جزء منسيّ من ماضي ومعتقدات الجماعة البشرية التي امتلكتها، أو روتها. وهذه هي إحدى أهم الوظائف التي نهض بها السرد التاريخي (الإخباري) العربي، كما تمثله تجارب الطبري، ووهب بن منبه، والأزرقي، وابن الأثير وسواهم. وبهذا المعنى، فإن الأسطورة لا تروي لنا جزء منسيّاًً من معارف العرب وحسب، وإنما تقوم كذلك برواية تاريخهم المنسيّ (الشفهي) أيضاًً. إن بُنى السرد الإخباري التقليدية تستحق أن تُعامل بطريقة لائقة، وأكثر حسّاسيّة وانسجاماًً مع منطق السرد القديم وتقاليده، لأن رواة الأخبار لا يقومون برواية تاريخ صافٍ يمكن استخدامه كمادة علمية، بل ويقومون برواية الأساطير كذلك. وبهذا المعنى، فإن راوي التاريخ القديم هو راوٍ للأساطير أيضاًَ، لأنه يقوم بشبْك النص التاريخي مع بنية الأسطورة، ويقدمهما على أنهما "تاريخ" حقيقي. مثلاًً، نقرأ عند ابن إسحق (السيرة النبوية) أسطورة موازية رويت في الإسلام عن عبد الله (والد الرسول "ص")، ويمكنها أن تفكك لنا الرسالة الرمزية التي تحملها أسطورة أساف ونائلة.
تتحدث أسطورة ابن إسحق عن لقاء بين إحدى كاهنات الكعبة (من بني قشير(4)) وبين عبد الله (والد النبي "ص"). لكن الأسطورة التي تنتسب إلى حقبة سابقة على بزوغ فجر الإسلام، ظلت مستمرة في مجتمع الإسلام كما لو أنها جزء حقيقي من "تاريخ مكة"، وهي تعطي تصوراًَ موازياًً عن هذا الجانب من أشكال استمرار وتطور تقاليد الزواج المقدس (الدينية). اللقاء جرى بعد عودة عبد الله سالماًً من واقعة الذبح (الاستقسام) في الكعبة حين قرر عبد المطلب أن ينحر ابنه، ويقدمه للآلهة على غرار ما فعل جده الأعلى إبراهيم مع ابنه إسماعيل، ولكن على نحو مختلف قليلاًً:
وانصرف عبد المطلب آخذاًً بيد عبد الله، فمَّر به، فيما يزعمون، على امرأة من بني أسد بن عبد العزى بن قصي، وهي عند الكعبة، فقالت له حين نظرت إلى وجهه، فيما يذكرون: أين تذهب يا عبد الله؟ قال: مع أبي؛ قالت: لك عندي مثل الإبل التي نُحرتْ عنك، وقعْ عليَّ الآن، فقال: أنا معي أبي، ولا أستطيع خلافه، ولا فراقه، ولا أريد أن أعصيه شيئاً، فخرج به عبد المطلب حتى أتى به وهب بن عبد مناف بن زهرة، ووهب يومئذ سيد بني زهرة نسباً وشرفاً، فزوجه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة، فوقع عليها عبد الله، فحملت برسول (ص)، فخرج من عندها حتى أتى المرأة التي قالت له ما قالت، وهي أخت ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى، وهي في مجلسها، فجلس إليها، وقال: مالكِ لا تعرضين عليَّ اليوم مثل الذي عرضت علي أمس؟ قالت: فارقك النور الذي كان فيك، فليس لي بك اليوم حاجة(5).
إن النور الإلهي الذي شاهدته المرأة في فناء الكعبة، يشُّع في وجه عبد الله، هو ذاته النور الذي شاهدته الإلهة نائلة في وجه الإله أساف. لقد طلبت منه ذلك رمزياًً لتجعل من النسل (وعقيدة الزواج المقدس) راسخة ومرتبطة بالمعبد الديني. كما يروي الطبري (2: ج 2) الأسطورة ذاتها فيقول: إن قريش حين تناهى إليها خبر عزم عبد المطلب على تقديم ابنه كقربان للآلهة، ضجت احتجاجاً. وأنه بعد نجاته وعودته سالماً، مرَّ بفناء الكعبة برفقة والده، فاعترضت طريقه امرأة في فناء الكعبة، وهي تهتف به: قعْ علي (أي ضاجعني). لقد طلبت المرأة من الغلام في فناء الكعبة وهو المكان الأكثر قداسة عند العرب، أن يواقعها، ومن دون أن تشعر بالحرج من الطلب. فتذرع هذا وامتنع بحجة رفقته لوالده. لكنه، وما إن عاد في اليوم التالي وصادف المرأة، حتى سألها عن طلبها فقالت له: إن ما رأته من نور في وجهه بالأمس قد تلاشى (قد ذهب النور الذي كان في وجهك). لقد لاحظ تركي علي الربيعو في تحليله الجريء لهذه المروية عند ابن هشام، وهي من بقايا أسطورة ضائعة، أن المرأة التي كانت تعرض نفسها على المقدَّس، هي قربان أنثوي يحمل كل مواصفات القربان الذي نذر نفسه لممارسة البغاء في صورته الطقوسية. تساعدنا هذه المقاربة على فهم أفضل لمغزى العقاب الذي أُنزل بيوسف جراء تمنعه وصدوده عن مضاجعة امرأة العزيز (فوطيفار في التوراة)، في حين أنها نجت من هذا العقاب، حتى مع اعترافها بأنها هي التي راودته عن نفسه (القرآن الكريم). كما تساعدنا في فهم تبريرات المرأة الحسناء أمام نساء المدينة لسبب انبهارها بسحر الغريب، وإقدامها على غوايته وهو في منزلة ابنها؟ ما كانت امرأة العزيز تراه، هو النور ذاته الذي رأته المرأة في فناء الكعبة حين شاهدت الغلام مع والده وقد عاد "سالماً" من الذبح، أي أنهما معاً، كما في أسطورة أساف ونائلة، رأتا النور الذي يشع في عيني المقدَّس. وسوف نلاحظ في روايات الطبري (تاريخ الطبري: 34: 2، وكذلك السيرة لابن هشام (تلخيص عبد السلام هارون 263) المنحى ذاته من العرض والتعرف على دلالات الإغواء بدقة أكبر؛ فقد عرضت عائشة (رض) نفسها على النبي محمد (ص)، وذلك ما جاءت الآية القرآنية على ذكره: (وامرأة مؤمنة إنْ وهبت نفسها للنبي إنْ أراد النبي أن يستنكحها). كما يروي كل من الطبري وابن هشام تفاصيل ضافية موثقة عن زواج النبي من صفيّة اليهودية (تاريخ: ص: 301)، والتي وهبت نفسها للنبي. وإلى هذا كله، فإن قصة زواج سجاح من مسيلمة، نبي اليمامة المعروف بالكذاب، تكشف عن الجانب نفسه من العرض، وتقوم بتطوير إشاراته ومحمولاته الرمزية كزواج مقدس؛ إذ وهبت سجاح نفسها لمسيلمة (الطبري : 504، والسيرة: 256). وحتى في أسطورة زواج سليمان من بلقيس (الهمداني الإكليل: 1: 80) يمكن لنا أن نرى الإطار الحقيقي للقصة ذاتها. لقد وقعت بلقيس في غرام ضيفها (أوهي قَدَّمت نفسها كقربان حين كانت ضيفتَه)، لأنها رأت فيه رجلاً "إلهياً"، ولذا وهبت نفسها له في سياق رواية عن الزواج المقدس. لقد أصبح يوسف في النص القرآني يدعى (عزيز مصر). وهذا أمر له دلالة خاصة عند تحليل أسطورة وقوع امرأة فوطيفار (عزيز مصر أيضاًً) في غرامه وطلبها منه أن يضاجعها، فهذا هو اسم الإله العربي القديم عزيز الذي احتل مكانة رفيعة في معتقدات العالم القديم؛ إذ انتشرت عبادته من جنوب الجزيرة العربية حتى بلاد الشام، وأصبح إلهاً "خاصاً" لجماعات بعينها تقدِّم له النذور والقرابين. ولأن هذا الإله في الأصل يرتبط بعشتار (عثتر) وهما معاً يؤلفان نموذج الزواج المقدس من خلال اقترانهما بالخصب. وفي تركيبة الاسم عثتر عزيز(وهذا تقليد قديم نجده في صيغة اسم أساف ونائلة)، فقد أخذت المروياتُ الأولى لأسطورته هذا البُعدَ الخاص. ومن غرائب المصادفات أنني نحو العام 1995 شاهدت في مدينة الشهباء (السويداء السورية) منحوتة تحمل صورة رائعة للإله عزيز، وقد كتب اسمه في صورة عزيزو كبارو (العزيز الكبير). في هذه المنحوتة البازلتية يظهر الإله عزيزو ممُسكاً بعضوه التناسلي، ومتكئاً عليه بذقن كثيفة الشعر. ليست هذه اللوحة سوى تجسيد لصورة المعبود العظيم في الجاهلية البعيدة عزيز (إله الخصب) الذي راودته المرأة على نفسه بعد أن رأت النور في وجهه (ولنتذكر أن يوسف يظهر في صورة فتى ساحر الوجه). وفي هذا السياق، سنلاحظ كيف لعبت صورة المطر كمصدر إلهي للخصب، دوراًً مركزياًً ومحورياًً في رمزيات الأسطورة، وكانت في العديد من الأديان والعقائد تتجلى كبديل رمزي عن الماء. ولذلك بزغت في هذا النطاق صورة للإله ذات خصوصية هي صورة الإله بعل بوصفه إله الماء والمطر. وثمة تجلٍّ رمزي آخر نجده في الثقافة الدينية العربية القديمة، وكشف عنه تركي علي الربيعو عبر تحليل العلاقة بين وادي مِنى ومكة، تبيِّن العلاقة بين الخصب والمني. إن مكة في الأساطير العربية وفي النص القرآني كذلك، كانت (في وادٍ غير ذي زرع). لكن آدم الأول حسب أسطورة رواها الطبري، كان كائناً عملاقاًً يُقاس طوله بالأذرع. وحدث أن آدم شاهد الوادي المجدب حين هبط إلى الأرض، ولذا قذف منيه في الوادي فامتلأ بالمني، ليصبح خصباًً ويسمي وادي مِنى(6).
لقد تأسست في الذاكرة البشرية تناظرات مدهشة بين المني والماء (المطر) بوصفهما ماء الحياة ومصدر النسل، وهذه هي دلالة العلاقة بين وجود أساف ونائلة عند بئر زمزم. إن المطر وهو ماء السماء(7) يلعب دوره الوظيفي كمصدر موازٍ للخصب (النسل). وفي هذا السياق أيضاًً، سيكون للقب المنذر بن ماء السماء (المنذر الأكبر) أحد أهم ملوك العرب في المنطقة، عندما حكم الحيرة طوال سنوات 514 ـ 554 م، أهمية خاصة عند تحليل العلاقة التناظرية بين المادتين، المني والماء. ونحن نعلم أن المنذر تَسمَّى باسم والدته ماء السماء على جري تقليد قديم، حتى أن أحد أبنائه وهو المنذر الأصغر عمرو بن المنذر، سمىّ نفسه باسم أمه عمرو بن هند. ونحن نعلم أيضاًً أن الانتساب إلى الأم له صلة عضوية بعبادة الإلهة الأم في العصر الأمومي الطويل الذي ساد المنطقة العربية والعالم بعد اكتشاف الزراعة (نحو عشرة آلاف عام ق.م). إن إحدى أكثر التناظرات بين مادتي المني والماء تكشف أنهما تشتركان في اللون والوظيفة. وبالطبع فلا لون للماء إلا بالمعنى المجازي، ولكن من المعتاد أن يوصف بالبياض، حتى أن العرب كانت تسمي الماء والتمر (الأسودان)، لأنها كانت تغلب اللون الأقوى، تماماًً كما كانت تغلب اللون الأسود على الأخضر، ولذلك سميّ العراق بأرض السواد مجازاًً، وهم يعنون أنه أرض أشجار النخيل. أما الوظيفة المشتركة، فهي متماثلة، فالماء مصدر الخصب، بينما المني مصدر النسل، وهذا هو الوجه الآخر للخصب، أو تجسيده البشري. ولأن المادة الأولى مصدرها إلهي، فقد أسّس المخيال الإنساني تصوراًً شعرياًً بالغ الرهافة لإله المطر.
إن بعل، إله العرب الذي أخذه الإغريق ثم الرومان وعبدوه في صورة الإله أبولو (ء- ُبلو) يُعدّ من بين أكثر المعبودات شهرة في ثقافات العالم القديم، وهو نظير الإله هُبل إله الصيد(8) (اللحم)، وقد لعب في حياة العرب البدو، ثم العرب من سكان الحواضر والمدن، دوراًً مركزياًً، وذلك حين اقترن اسمه بديمومة الماء، فجرى نصب تماثيله عند الآبار، اعتقاداًً منهم أن هذا الإله سوف يحرس الماء ويحميه ويضمن استمرار جريانه وتدفقه. لكن، الماء بخلاف المني، يمكن أن يصبح مصدراَ للطهارة، وشرطاًً لها، ولذا فهو مقدس، وهذا ما تجسده وتعبِّر عنه ببلاغة تامة طقوس التعميد عند الصابئة المندائية، وفي الديانة المسيحية؛ بينما يصبح المني مصدراًً النجاسة (الدنس) في حال انقلاب وظيفته، أي عندما يجري استخدامه في خرق المحرَّم.
يحدث الصراع بين المقدَّس والمدنَّس، ورمزياًً بين الماء والمني، حين ينقلب المقدس إلى مادة مدنسة (خبيثة) مُعدية وملوِّثة. إن انقلاب المقدس إلى مدنس يعبِّر عن نوع من انشطار ذاتي في المادة نفسها إلى مادتين إحداهما مدنسة. وهذا ما نراه بدقة في طقوس التطهُّر من النجاسة التي تنشأ عن العلاقة الجنسية؛ إذ يفترض، طبقاًً لوعينا الدينيّ، أن المني ماء الحياة ومصدر النسل، ولكنه يتحوّل إلى مصدر للنجاسة بعد إراقته. وفي هذه الحالة يصبح الماء مصدر الطهارة للتخلص منه. ولعل هذا الانقلاب في الوظيفة هو الذي يرغم الماء على جعل جزء من وظيفته تطهّرية (من الدنس). وهذا ما نراه عندما يقوم الإنسان من أجل التخلص من آثامه الجنسية وخطيئته باستخدام الماء للتطهر. كما تنشأ عن التناظرات بين المادتين أشكال غير متوقعة من النزاع والتجاذب، وذلك حين يتحول المني مثلاًً في حال العلاقة غير الشرعية مع المرأة إلى دنس، بينما يمكنه الحفاظ على قدسيته حين يتلازم استخدامه في إطار علاقة شرعية. إن المضمون الحقيقي لنظرتنا إلى المادة الثانية على أنها مقدسة ومدنسة في آن معاًً، تحدِّده نظرتنا المتوارثة والمستمرة في الراسب الثقافي الإنساني إلى النسل، فهو مرتبط بعلاقة الزواج وقدسيّة "المني" بوصفه ماء الحياة الذي لا تجوز إراقته بطريقة منحرفة أو خاطئة. ولهذا السبب تشكلت نظرة المجتمع العربي القديم إلى الزنا، بوصفه تجسيداًً لهذا الانقلاب في وظيفة المادة، كما تشكلت نظرته إلى المولود من علاقة زنا. لكن المجتمع نفسه قام بتطوير نظرته التاريخية للزنا بإعادة تكييفه ضمن أنماط الزواج الشائعة. بهذا المعنى، فإن سائر القصص والأساطير والروايات التاريخية الخاصة بعرض المرأة لنفسها على النبي، أو الملك، إنما تدور في فلك الموضوع نفسه. إنه أدب عربي قديم موازٍ للأدب اليوناني ومطوِّر لموضوعاته. بذلك تكون امرأة العزيز في الأسطورة الخاصة بيوسف، وكاهنة الكعبة، والإلهة القديمة نائلة، وكما روتها الإخباريات العربية والنصوص الدينية، قد رأينَ، كلٌّ على انفراد ولكن في ظروف مماثلة، النورَ الذي كان يشعُّ في وجه الغلام العبد، والغلام الذي نجا من الموت، والرجل الذي جاء إلى الحج. إنهم جميعاًً يمثلون صورة الزوج المقدس الذي يضمن الخصب، ولذا وهبت كل واحدة منهما نفسها له. إنه الرجل الذي يمكن أن يهب المرأة ابناً على صورته ومثاله.
إن رواية الأبشيهي لأسطورة يوسف مصمَّمة لأجل تصحيح النهاية التي نعرفها، وذلك بجعل اللقاء ممكناً، والهدية قابلة لأن تهدى. ولذلك سوف تقول أن امرأة العزيز أصبحت امرأة عجوزاًً، ولكنها ظلت تنتظر يوسف، وحين التقت به مرة أخرى، استردت شبابها، وامتلكت الرجل الإلهي؛ ثم أنجبت منه ولدين هما أفرام ومنشا (منسه)، في حين أن رواية التوراة في النص العبري لا تقول أي شيء عن هذا الزواج وتصمت عنه، ولنقل تقوم بتصويره كنهاية تقليدية تقطع مع الدنس والغواية وتنتقل إلى شكل طاهر من الزواج، وذلك من خلال اقتران يوسف بابنة كاهن أون. وفي القرآن: (وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حباً إنا لنراها في ضلالٍ مُبين. 29: 30 سورة يوسف).
ثمة صراع خفي يدور داخل نطاق الحرام ونظامه الجنسي؛ وحتى يتمكنا من تجاوزه وعبوره طقوسياً إلى الزواج المقدس في صورته الشرعية والتقليديّة، لابد من اكتمال مواصفات القربان الأنثوي التي تحدث عنها تركي علي الربيعو. وفي بعض الأساطير تخفق المرأة العذراء في اجتياز هذا الصراع الخفي بما هو اختبار أو امتحان، وتنعدم بالتالي شروط القربان ومواصفاته. ولذا سوف تلحُّ المثيولوجيا العربية ـ الإسلامية على أن امرأة العزيز ظلت عذراء، وانتظرت النبي رغم شيخوختها وعماها. ولكن، ما الذي يدعو المرأة الحسناء إلى انتظار النبي ـ المخلص، وإلى توقع مجيئه (كما في المسيحية حيث مريم العذراء)؟ وما الذي يدعوها إلى صيانة عذريتها كل هذا الوقت لو لم تكن نذراً (قرباناً)؟. العذراء في صراعها الخفي مع المقدس ستحافظ إلى النهاية على عذريتها، بوصفها شرط الحفاظ على النذورية؛ أي على كونها هي القربان؛ ستعيش متسولة عجوزاً عمياء، ولكن بكامل عذريتها من أجل أن يتمكن المقدس من استردادها ثانية، ودون دنس. لقد صانت المثيولوجيا العربية ـ الإسلامية عذرية القربان المقدَّم إلى المقدّس، وذلك بروايتها لأساطير تدور كلها تقريباً حول المحور ذاته.
تصور التوراة (النص العبري) هذه اللحظة عندما فر النبي من الخطيئة على النحو التالي:
(وتقرء - ل- ءنشي- بيته – وتقرء – لهم – رءو – ها – بيئه – ءيش – عبري – ل – سحق – بنو – بء – ءلي – ل – شكب - عمي) (برءشيت: 39 : 13 : 40 : 11).
والنص نترجمه على هذا النحو:
(ودعت النسوة إلى بيتها وقالت لهن: انظرن. ها قد جاء إليَّ رجل عبراني ليراودني عن نفسي).
في هذا المقطع من النص يمكن لنا إمعان النظر في الفكرة التالية: إن للإغواء الجنسي نوراً؛ إشعاعاً حقيقياً لا يراه سوى القربان، ولكن زوجة الخصي ستراه في بعده الرمزي كمصدر من مصادر الخصب، أي الولادة والخلق، ولذا سوف تسعى إليه نشداناً لابن حقيقي. لكن (المقدس) سوف يمتنع عن تقديم نفسه وربما يعارض فكرة أن يهب الهدية (المولود) ويقاومها. أما هي فسوف تتشبث بعذريتها، وتحافظ عليها إلى النهاية، لأنها عذرية مهداة للمقدس أملاً في استرداد لحظة الإغواء الأولى الفاشلة، عندما يعود الزمن الأسطوري وتتكرر دورته. وفي هذه العودة المحتملة للزمن، كما تخيلها الفقهاء المسلمون والرواة وساردو الأساطير، يمكن للعذراء أن تكرر هي أيضاً حلمها، وتقوم بتقديم هديتها التي حافظت عليها: العذرية، أي تقدم نذرها الذي صانته وحافظت عليه. وهذا ما سوف تقوم الأسطورة بتحقيقه حين تجعل من امرأة العزيز امرأة عجوزاً تقف فوق رابية بانتظار موكب يوسف من أجل أن تَعرض عذريتها الأولى، ومن جديد، على الغلام نفسه الذي صار الآن ملكاً (إلهاً بالمعنى الطقوسيّ). هذه المرة سوف يستجيب الملك الإله ويتقبل الهدية ويقدم لها في المقابل هديته التي جاء من أجلها: الابن الحقيقي المنتظر. وبمعنى آخر وموازٍ، لم تكن امرأة العزيز تنتظر مثل هذه الهدية الموعودة من زوج خصي؛ بل من آخر، مفارق تنكَّر مرّةً في صورة عبدٍ فائق الجمال، أو ابن زائف مُتبنّى، ومرة أخرى في صورة ملك ـ إله. تقول التوراة إن راحيل، أم يوسف، كانت امرأة عاقراً وقبيحة، ظلت تحلم طويلاً بابن حقيقي تنجبه؛ بينما كانت شقيقتها الجميلة، زوجة يعقوب الثانية، وتدعى ليئة، توأمها السوسيولوجي، تنجب المزيد من الأولاد. إن صورة راحيل (من الرحيل، أي الهجرة والترحال) هي صورة الأرض المجدبة بالمعنى الرمزي، بينما تبدو صورة ليئة الجميلة رمزاًً موازياً يشع بدلالات الخصب. وحين أكلت راحيل من نبات النسل (وفي أسطورة جلجامش العراقية نراه يفتش عن نبتة النسل ليضمن الخلود) ونذرت وليدها الموعود للإله يسف ـ أساف، فقد فتح الله رحمها (حرفياً حسب نص التوراة). وكما أن المرأة في رواية الطبري وابن هشام والأزرقي طلبت من عبد الله أن يقع عليها في فناء الكعبة، فإن الإلهة نائلة كانت قد سلكت السلوك ذاته.
إن ارتباط قدسية المرأة بالطهارة (العذرية) عند عرب الجاهلية يتخذ أشكالاًً وصوراً لا حصر لها، من ذلك أنهم كانوا لا يقبلون بأن تساكنهم حائض في بيت، ولا تؤاكلهم في إناء. وقد شكك جواد علي (المفصل ـ الجزء 2 الفصل 57 ص 654) في بعض مرويات الإخباريين العرب عن أن عرب الجاهلية كانوا في أيام حيض النساء يجتنبون إتيانَهن في مخرج الدم ويأتونهن في أدبارهن، ولاحظَ وجودَ بعض التناقض في رواياتهم في موضوع الحيض واقتراب الرجل من المحيضة، فبينما هم يذكرون أن الرجل كان لا يؤاكل زوجته، ولا يقترب منها، ولا يسمح لها أن تصبغ رأسه، أو أن تضاجعه، نراهم يذكرون أنهم كانوا يجتنبون إتيانهن في مخرج الدم، ويأتونهن في أدبارهن، وهذا ما لا يتفق مع التشدد المنسوب إليهم. لكن عرب الجاهلية من جانب ثانٍ، وفي إطار الحفاظ على قدسية (طهارة) المكان الديني، لم يكونوا يسمحون للحائض بدخول الكعبة، أو بالطواف بها، أو بمسِّ الأصنام، لأنها غير طاهرة، وكان منهم من يعتزل زوجته في بيته، فلا يقترب أو يدنو منها. وذكر بعض علماء التفسير أن المسلمين في المدينة عملوا لوقت طويل بسنّة بني إسرائيل في تجنب الحائض ومساكنتها. فلمّا سألوا الرسول عن الحيض أنزل الله: (ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله). فبلغ ذلك اليهود، فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئاً إلا خالفنا فيه. الدم يفسد وظيفة الإخصاب، بينما يلعب الماء وظيفة تطهُّرية حاسمة. أليست هذه رسالة رمزية قديمة حملتها لنا أساطير عربية رائعة؟
الهوامش
: جُرْهُم من أعظم قبائل اليمن التي أقامت في الحجاز واستولت على مكة
2و3 : الأصنام لابن الكلبي، /ط القاهرة
4 : في روايات إخباريين آخرين
5 وفي رواية موازية : حدثنا أحمد قال:حدثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحق قال: حدثني والدي إسحق بن يسار قال: حدثت أنه كان لعبد اله بن عبد المطلب امرأة مع آمنة ابنة وهب بن عبد مناف، فمر بامرأته تلك، وقد أصابه أثر طين عمل به، فدعاها إلى نفسه، فأبطأت عليه لما رأت به أثر الطين، فدخل فغسل عنه أثر الطين، ثم دخل عامداً إلى آمنة، ثم دعنه صاحبته التي كان أراد إلى نفسها، فأبى للذي صنعت به أول مرة، فدخل على آمنة فأصابها، ثم خرج فدعاها إلى نفسه، فقالت: لا حاجة لي بك، مررت بي وبين عينيك غرة، فرجوت أن أصيبها منك، فلما دخلت على آمنة، ذهبت بها منك. وانظر تحليل نركي علي الربيعو للقصة في كتابه العنف والمقدس والجنس : بيروت 1994 ، المركز الثقافي العربي
6 : أنظر تركي علي الربيعو، والطبري- مصدران مذكوران في النص
7 : أحد أعظم ملوك الحيرة المنذر الأكبر ( حكم : 514-554 م) باسم المنذر بن ماء السماء( اسم والدته) وهذا الأمر له دلالة خاصة بكل تأكيد.
8: هبل : وفي حديث عائشة- رض – : والنساء يومئذ ٍ لم يهلبن، أي لم يمتلئن لحما ً



del.icio.us
Digg
التعليقات (0 مرسل):
أضف تعليقك