وضع المرأة في القوانين الإسلامية | الملف الفكري | الرئيسية

وضع المرأة في القوانين الإسلامية

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 كريستينا جونز **
ترجمة: أسامة إسبر
** باحثة قانونية في الشؤون النسوية وقضايا المرأة.

 

* الترجمة العربية لنص المحاضرة التي ألقتها الدكتورة كريستينا جونز في جامعة غوتنجن Gottingen في ألمانيا.

مقدمة

تتألف محاضرتي من أربعة أجزاء: يتحدث الجزء الأول عن مسائل قانونية. وفي الجزء الثاني أقارن بين أوضاع المرأة في الديانات التوحيدية الثلاث، ثم أناقش مظاهر معيّنة من وضع المرأة في قانون الأحوال الشخصية التونسي والمصري. أخيراً، وفي الجزء الرابع، أوضح النقاط المختلفة في قراري محكمة من تونس. ما آمل أن أعبّر عنه هو تعقيد وضع المرأة في القوانين الإسلامية.

الجزء الأول: مسائل قانونية

أريد أن أوضح من البداية أنني لا أتحدث كمؤرخة، أو مختصَّة في علم اللغة، أو فيلسوفة أو عالمة لاهوت، بل أتحدث كمحامية وقانونية مختصة في علم الاجتماع، وتمتلك خبرة عملية وأكاديمية. وهذا يعني أنني أنظر إلى القوانين الإسلامية كما أنظر إلى أيّ نسق قانوني آخر. وتتضمن المقاربة القانونية التالي: إنها تمنح أولاً وقبل كل شيء الأولوية لكلمة النص. ويخدم النص على أنه، كما يُقال، مصدر التشريع المعبَّر عنه في قانون أو حكم تسنّه هيئة تشريعية. وإذا كان القانون المشرِّع، وكذلك الدستور، في كثير من البلدان الإسلامية يمتلك في نصه الكثير من الإشارات إلى النص القرآني، فإن القرآن حينئذ يُجعل أيضاً جزءاً من النص القانوني الذي يشكل الأداة الأساسية للمحامي، أو القاضي.

إن التشديد على النص يخدم وظيفة واحدة هي تجريد شخصية الشخص الذي يعلن الحكم من كونها مصدر الشريعة. لهذا، حين تجتهد شخصيات مختلفة كالمحامين، أو الأكاديميين، أو القضاة، أو شيخ الإسلام، أو مفتٍ تعيّنه الحكومة، كما هي الحالة في مصر، لوضع تأويلات مختلفة للنص نفسه. عندها يكون هنالك احتمال بأن تصبح الشخصية مصدرَ التشريع، ويصبح النص ثانوياً. إن هذا يزعج بالطبع رجال القانون، لأنه يمكن أن يقوّض أوليّة النص كمصدر للقانون. ويُعتقد أنه من الهامّ الإبقاء على أولية النص لخدمة ما يُظنّ أنه إحدى وظائف القانون، وهو تجنب الاعتباطية.

إن هذا القلق له أهمية مساوية في قوانيننا الأوروبية، كما في القوانين الإسلامية المعاصرة. وهكذا إذا نشأتْ تأويلات مختلفة للنص، يبدأ رجال القانون بالبحث عن مصدر هذا الخلاف، آملين إزالته، وبالتالي إزالة خطر الاعتباطيّة. فالخلاف الذي يمكن أن يعثروا عليه يكمن في النص نفسه. لكنه قد يكون غير واضح. مثلاً، يمكن أن يكمن الخلاف في شخصية المشرّعين، أو القضاة. وإذا كان النص هو المخطئ، فإنّه يُغيَّر. أما إذا كان الشخص هو المخطئ فإن المشرّع، أو القاضي، يُستبدلان. نرى في هذه النقطة فرقاً بين المقاربة التشريعية الإسلامية، وما يدعى بالمقاربة العلمانية الأوروبية. إذ بينما تستطيع الهيئة التشريعية الإسلامية تغيير نص القانون المشرّع، وهذا يحصل في الواقع، كمثل إصلاحات قانون الأحوال الشخصية في تونس ومصر وباكستان، إلخ...، فإنها لا تستطيع تغيير النص القرآني الذي يُسمى في القانون المشرّع كمصادر نص تكميلية.

إن هذه ليست مسألة خطيرة جداً من وجهة نظر قانونية. هذا لأن النص الذي يخدم كمصدر للتشريع يعدّه رجال القانون نصاً تاماً في ذاته، وهو كل نص يحتوي على إشارات فيه إلى شيء آخر خارجه. وعلى قارئ النص أن يرجع إلى مصادر أخرى خارجة على النص من أجل الحصول على معلومات تمكنه من فهم ما يعنيه النص. إن المصادر الأخرى هي بصورة رئيسية ما ندعوه الأعراف أو الظواهر السوسيولوجية، والأخلاق العامة، والإحساس العام بما يشكل العدالة. مثلاً، حين أشار الدستور الألماني إلى حماية الزواج، استخدمت المحاكم الأعراف الدينية المسيحية لفهم ظاهرة الزواج التي توجد خارج النص. إن الزواج هو اتحاد متأصّل في العرف المسيحي للزواج من شخص واحد مدى الحياة، على الرغم من أن كلمة الزواج الأحادي غير مذكورة في الدستور. ثمة مثال آخر من القانون البريطاني: حين تحطّمت سفينة في البحر ووجد سبعة بحارة أنفسهم بعد بضعة أيام بدون مؤونة، قتلوا أحد زملائهم البحارة وأكلوه لكي ينقذوا حياتهم. وبعد أن تمّ إنقاذهم حوكموا من أجل الجريمة وأدانتهم المحاكم البريطانية. كان السبب هو أن فعلهم مناف للأخلاق ويستحق العقوبة، على الرغم من أن قانون العقوبات الذي يضبط الجريمة والدفاع عن النفس لا يشير إلى العنف الأخلاقي.

حين ندرس النص القرآني الذي يقبل بتعدد الزوجات، نرى أن هنالك إشارة إلى ظاهرة سيكولوجية، وأعني المعاملة العادلة القائمة على المساواة، بحسب قدرة الرجل، لزوجاته الأربع. وعلى أساس هذه الإشارة إلى سيكولوجية علاقات الزوج/ الزوجة، أقنع الرئيس التونسي بورقيبة الهيئة التشريعية بأن تلغي تعدد الزوجات. حدث هذا أيضاً في بلدان أخرى، مثل مصر، لتبرير قانون صار الزوج بمقتضاه مجبراً وفقاً لما يُعرف باسم قانون جيهان السادات الإصلاحي، على أن يُعلم على الأقل كلاً من زوجاته أن لهن شريكات في الزواج. شدّد رجال قانون معاصرون آخرون على الإشارات في النص القرآني نفسه إلى الظاهرة الديموغرافية، وأعني إذا كان هنالك فائض في عدد النساء بسبب نشوب الحرب، مثلاً، فإن الرجال الذين يشكلون أقلية في هذه الحالة يجب أن يتحملوا مسؤولية إضافية، ويتزوجوا أكثر من واحدة، ولقد اقترح قسٌّ بروتستانتي هذا بعد الحرب في ألمانيا باللجوء إلى هذه الطريقة. إن هذه الإشارة الديموغرافية في القرآن، كما يقول بعض رجال القانون المعاصرين، يمكن أن تُؤَّول أيضاً على أنها تتضمن أنه إذا جاء وقت يكون فيه هناك فائض من الرجال، فإن على النساء أن يتزوجن من أكثر من رجل واحد. ولكن إذا كان هنالك توازن ديموغرافي طيلة الوقت، فإنه يجب ألا يُسمح بتعدد الزوجات. وعلى هذا الأساس، تستطيع معظم البلدان الإسلامية أن تتبع نموذج تونس، بحسب ما يسمح به الوضع الديموغرافي، وتلغي الحق بتعدد الزوجات إلى أن يحين وقت يقتضي فيه الوضع الديموغرافي خلاف ذلك. وأكرر عند هذه النقطة أن الأمثلة الواردة أعلاه قُدِّمتْ لكي تُبيّن أن حقيقة أن النص القرآني كمصدر للشريعة لا يمكن أن يتغيّر ـ حتى حين يكون مصدراً للخلاف في الرأي ـ لا تطرح مشكلة قانونية في ذاتها.
والآن لنعد إلى نقطتنا أعلاه، وهي حين يكمن مصدر الخلاف في الرأي لا في النص نفسه، بل في شخصية المشرِّع، أو القاضي الذي يفسّر النص، حينئذ يجب أن يُستبدل الشخص ويحل مكانه أولئك الذين ينسجمون مع تأويل مرجعي واحد للنص. ومن المؤكد أن هذه ظاهرة تحدث في أي نظام قانوني. ففي الولايات المتحدة، كما في ألمانيا، حين يحدث تغيير للحكومة، ويكون هنالك منصب شاغر في المحكمة الدستورية، فإن الشخص المختار للمنصب يمثّل سياسة الحكومة الجديدة. وفي العالم الإسلامي المعاصر، ألاحظ أن المتطرفين الإسلاميين يفرطون في التشديد على الفرق في الشخصية كمصدر لحالات فهم مختلفة للنص القرآني غير القابل للتغيير على الرغم من أنه يُقال إنها تستند بقوة إلى النص القرآني.

إن المثال الجيد على هذا الإفراط في التشديد على شخصية القاضي يمكن العثور عليه في مصر. فمنذ بضع سنين، كان القضاة الخاضعون لضغط المتطرفين الإسلاميين الذين طالبوهم بإثبات هويتهم الإسلامية وإيمانهم الإسلامي يصدرون أحكاماً جنائية تأمر بقطع يد السارق على أساس النص القرآني فقط. لقد تجاهلوا نصوص قانون العقوبات إلى أن أنّبتهم الحكومة المصرية بقسوة ووضعتهم تحت السيطرة فيما كانت تحاول احتواء المتطرفين. إن هذا مزعج، بخاصة من وجهة نظر قانونية تشدد على أولية النص، وتعتبر الإشارات إلى ظواهر خارج النص ضرورية لمعالجة تأويل النص القانوني.

إن المتطرفين الإسلاميين يفرضون عصمة النص القرآني على مؤولي النص. ونتيجة لهذا يُجعل التأويل البشري معصوماً. ويمكن أن ينُظر إلى هذا كتجديف. ذلك أن كلمة الله وحدها هي المعصومة، وليس التأويل البشري لها، كما حاول ابن مالك، مؤسس المذهب المالكي في الفقه في شمال أفريقيا، دون جدوى، أن يوضح للحاكم السياسي في ذلك الوقت. إن هذا التشديد على عصمة التأويل البشري يقوّض أيضاً فرادة الهوية الإسلامية، التي يظن المتطرفون أنهم يشددون عليها. ويمكن أن يقال إنهم يحاولون تقليد فكرة العصمة التي وظّفها البابا الكاثوليكي الأوروبي.

الجزء الثاني: وضع المرأة في الديانات التوحيدية

أرغب الآن بأن أظهر كيف عوملت المرأة في نصوص قانونية أساسية في سياقات القانون الإسلامي والقانون الأوروبي المسيحي. فقد أشار القرآن بوضوح، منذ بداية ظهوره، إلى النساء والرجال. إذ إن السورة الرابعة في القرآن، سورة النساء، هي تقدير خاص لوجود الحقوق والإلزامات الخاصة للنساء، إلا أن هذه الإشارة النصية الواضحة إلى النساء لم تكن ثورية. فالتأويلات اليهودية المشناويّة (التلمودية) لنص العهد القديم تحتوي على إشارات واضحة جداً إلى امرأة أو رجل، وامرأة مثل هذه عليها أن تمر في محنة لكي تبرهن أنها بريئة من شكوك زوجها بأنها مارست الزنا، ولكي تستطيع بعد ذلك المطالبة بتعويض من زوجها إذا كانت لديه شبهات لا أساس لها سوى الغيرة. إن رجلاً أو امرأة يستطيعان أن يقسما بأن لا يلمسا المشروبات القوية، وأن لا يحلقا شعرهما أبداً (سفر العدد). يتغاير هذا مع نصوص العهد الجديد، والتي كُتبت بطريقة تعمدت محو الهويات الجنسية المنفصلة، مثلا: "ما من عبد أو حر، وما من أنثى أو ذكر في المسيح". (الغلاطيّون).

طُبِّقت عملية المحو هذه أكثر عبر نهوض الثقافة الدينية للتبتّل التي شدّدت على وضع القوة والسلطة في الرجال الكهنة الذي تلبّسوا شخصية لا جنسيّة، والتي صَنّفتْ بالتالي المرأة تحت صنف الرجل. ومع مرور الزمن صارت هوية المرأة الضائعة في أوروبا المسيحية واضحة أيضاً في النصوص القانونية. مثلاً، في القوانين البريطانية، ليس للمرأة المتزوجة حقوق ملكية خاصة بها. صارت ملكيتها ملكية زوجها. أعتُقد أن هذا يتطابق مع نص الكتاب المقدس الذي يتحدث عن لقاء المرأة والرجل، وكيف صارا واحداً، وهذا الواحد هو الرجل.

وفي الوقت الذي صدر فيه إعلان حقوق الإنسان الخاص بالثورة الفرنسية، كانت المرأة مقصاة. إذ إن نص حقوق الإنسان الجديد أغفل وجودها. لهذا السبب يشدّد رجال القانون المسلمون المعاصرون الذي يتباهون بالإشارة إلى تقدم القوانين الإسلامية على القانون الأوروبي، على أن النص القرآني والتأويلات الفقهية منحت للنساء المسلمات، من حيث المبدأ، استقلالية اقتصادية قبل الأنظمة القانونية الأوروبية بوقت طويل، عبر السماح لهنّ بامتلاك ملكية تُسجَّل باسمهن. وبعد أن جارت النصوصُ القانونية الأوروبية القوانينَ الإسلامية في هذه النقطة، تُطرح الآن مسائل المساواة بين الرجال والنساء. ذلك أن الدعم القانوني الحالي للمساواة هو النتيجة المنطقية لإلغاء الثورة الأميركية والفرنسية للتمييز على أساس الوضع الاجتماعي والاقتصادي. ولقد وُسِّعَ حظر التمييز لكي يشمل التمييز الجنسي والمحاولات لإلغائه.

لم يقبل القانون هذه المقاربة بشكل كامل، وخاصة في مجالات معينة من قانون الأحوال الشخصية. مثلاً، تقبل الأنظمة القانونية البريطانية والألمانية الزواج الذي يتفق فيه الرجل والمرأة على اللامساواة، أي أن المرء يستطيع الاختيار كبالغ قادر بشكل كامل على كسب عيشه، على أن يكون متَّكلاً اقتصادياً على الآخر، أي ما يدعى بربة المنزل، أو رب المنزل. في حالة كهذه ينص القانون على فصل أنماط الواجبات الخاصة بكل شريك. ولا يلزم الطرفان بصورة مساوية بالقيام بإسهامات نقدية لإعالة الأسرة. يقوم أحد الطرفين بإسهام نقدي، أو خدمي، مثل الطبخ والتنظيف وتربية الأطفال. أما الطرف الآخر فيسهم بالنقود.

وعلى الرغم من أن نص القانون لا يعزو بوضوح نوعاً من الإسهام لجنس واحد، فإن النقاش القانوني للنص يظهر بأنه تم خيار متعمّد كي لا يتطلب الأمر من كل شريك القيام بالنوع نفسه من الإسهام بصورة مساوية، لأن العرف السوسيولوجي للنساء يجب أن يُحافظ عليه. ذلك أن المرأة، سوسيولوجياً، هي التي تقوم بإسهام للحفاظ على الأسرة من الناحية الخدمية. إن لهذا مزيداً من العواقب بالنسبة للمرأة في سوق العمل الأكبر، لا يُنظر إليها جدياً على أنها صانعة للمنزل، و لا يُنظر إليها على أنها صاحب الدخل الرئيسي الذي يؤمن لقمة العيش. والواقع إن الأخلاق العامة تميل إلى رفض أسرة قائمة على طرفين يكسبان.

الجزء الثالث: وضع المرأة في تونس ومصر

تتبنى القوانين الإسلامية مقاربة مختلفة. فالنص القرآني يفصل بوضوح بين الواجبات على خطوط جنسية. ذلك أن الرجل هو الذي يمنح المرأة المهر. فالمهر، في رأيي، هو أساس قانون الأحوال الشخصية الإسلامي كله. وحالما تقبله المرأة، يكون إشارة على إتمام عقد الزواج. ويمنحها حق ملكية لرأسمالها الخاص. إذا لم يُلغ دفع المهر، يمكن أن تستخدمه كيفما شاءت، وإذا ما استخدمته لإطلاق عملها الخاص، يمكن أن تحتفظ بالأرباح لنفسها. إنها ليست مضطرة إلى الإسهام في إعالة أسرتها. وفي وضع اجتماعي معين يكون زوجها ملزماً بالدفع لخادمة لكي تساعدها. إذا تم تأجيل دفع المهر وتُوفيّ الزوج يعامل المهر كدين على العقار كله، وهكذا إذا كان كبيراً بما يكفي يمكن أن يستهلك العقار كله، وبالتالي لا أحد من الورثة الآخرين، بما فيه الأولاد، يستطيع أن يرث أي شيء من حيث المبدأ. في المقابل، الرجل ملزم بدفع المهر للمرأة، والقيام بإسهام مالي في إعالة الأسرة. ويُمنح من أجل هذه الإلزامات الأحادية الجانب ضعف حصته كوريث، مفترضين أن المهر لم يستهلكها كلها. إن الرجل، كإبن، أو كأرمل يبقى على قيد الحياة يرث ضعفي ما ترثه الإبنة أو الأرملة.

إن هذا الصرح الذي تُميّز فيه حقوق وواجبات المرأة عن حقوق وواجبات الرجل ليس غير قابل للاهتزاز بحسب النص القرآني. ويوصي النص ليس فقط بأن يقدم الرجل هبة للزوجة، بل إن الزوجة يمكن أن تلغيها إذا شاءت. إنه يشير إلى موقف يمكن أن تنشئه الزوجة نفسها. إن موقفاً كهذا يمكن من حيث المبدأ أن يغير سلسلة الواجبات التكميلية والحقوق المستندة إلى الجنس. إذا أعادت المهر إلى الرجل بحيث يمكن أن يضيفه إلى إسهاماته النقدية في إعالة الأسرة، إذاً، فإنها اختارت وضع نفسها في تكافؤ مع زوجها، وهكذا يمكن أن يُقال إنها ألزمت نفسها بالمساعدة في إعالة الأسرة، وحينها تُخوّل لحصة ميراث مساوية.

إن التغييرات الأخيرة في قانون الأحوال الشخصية في تونس تشير إلى هذا الاتجاه. إذ إن المرأة لم تكن سابقاً ملزمة بالإسهام نقدياً في إعالة الأسرة، ولكنها صارت ملزمة الآن بعد الإصلاحات. وكانت للأسباب السوسيولوجية لهذا التغيير احتجاجات من الرجال. لقد كانوا متخمين من التمييزات ضدهم. وشعروا، فيما كان التضخم يزداد والرواتب تقلّ، أن طلبات الزوجة العاملة بفساتين جديدة وأحذية جديدة من راتب زوجها بدلاً من راتبها لم تكن عادلة. وكان الشعار هو أن المرأة التونسية لا تملك فقط مسؤوليات مساوية من الزاوية النقدية. وقد غذّتْ إصلاحات القانون، ممتزجة مع رأي الأخلاق العامة بأن المهر يجب أن يقتصر على قيمة رمزية، جدلاً حول إن كان تغيير كهذا في التزامات المرأة يتطلب تأويلاً لقوانين الميراث تنسجم مع الموقف الذي تنبأ به النص القرآني.

وبالمقارنة مع مصر، وخاصة مصر العليا، فإن المهر يُقدم بشكل شائع. وللمهر قيمة في السوق أعلى من قيمته الرمزية، إذ يتألف من الذهب، وخاصة المجوهرات. ولكن أهميته القانونية للمرأة من زاوية حقها في التحكم به مضيّعة عليها. إن ما يجب أن يُشدّد عليه بالنسبة إليها في النص القرآني في تقديم هبة، أو تلقّيها، أو إلغائها، هو الإشارة في النص إلى الفعل خارج نص التلقي، وخاصة المشاعر الذاتية للمتلقي. وما صار مهماً للمرأة بعد أن صارت النقود متوافرة من وظائف المهاجرين في الخليج وليبيا هو الهدايا الشخصية في العرس، وخاصة الملابس الداخلية، والكؤوس الزجاجية، وصينيات الستانلس ستيل. إن امتلاك بضائع كهذه يرمز إلى استقلال المرأة الذي يسمح بملكية البضائع المترفة. إن هذا البعد في الزواج يتصل بعالم أنثوي كامل. إن جهاز العروس trousseau يجسد الأملاك التي تستطيع المرأة أن تطالب بها بشكل فردي لنفسها. ذلك أن أسرتها وزوجها يمكن ألا يستولوا على الجهاز.

لكن الأمر مختلف بخصوص الذهب، ذلك أن الذهب ليس شخصياً كالآنية والملابس. فالذهب يصير ملكاً للأسرة في أوقات الأزمة لشراء أرض للزوج، أو لتمويل رحلة الزوج إلى المملكة العربية السعودية، أو لشراء جاموس ماء، أو للدفع من أجل نفقات طبية غير متوقّعة. ويُقال إن بعض النساء يرفضن التخلّي عن مهر الذهب، ويعرفن باسم اللواتي رفضن بيع ذهبهنّ. وبعد تحرير القوانين الخاصة بالأراضي الزراعية في مصر، سيزداد الضغط على النساء كي يلغين هدية الذهب. ذلك أن نزع القيود سيزيد أيضاً من رسوم أجرة الأرض، بحيث أن الرجال سيستنفدون الوسائل كلّها لشراء قطعة أرض صغيرة لا تشكل سوى جزء صغير من الأراضي المستأجرة التي يزرعونها الآن. وهكذا، فإن منح الزوجة لهدية الذهب إلى زوجها، كإسهام منها في إعالة الأسرة، يُعدّ، من وجهة نظر قانونية، طوعياً. وبسبب طبيعته الفردية الطوعية، فإن فعل منح الذهب في مصر يمكن أن يعني أن الأسرة حرة في الموافقة على أن لا تطبق قواعد الميراث الصارمة، وربما تسمح في حالات فردية للمرأة بأن تتلقى حصة أكبر من الإرث اعترافاً بالتزامها الذي يُعزى عادة إلى الزوج.

إن أمن المرأة في مصر العليا يكمن في مكان آخر، وليس في المهر. يكمن في الزواج اللُّحمي داخل الأسرة. إذ إنّه يُفضَّل أن تتزوج المرأة من ابن عمّها. أما المرأة التي تتزوج من غريب فلا تتمتع سوى بأمن قليل. ذلك أن الزواج داخل الأسرة فقط يضمن للمرأة معاملة عادلة. فالطريقة الوحيدة لضمان الراحة من زوج مستغلّ غريب هي المحكمة، ولكن المرأة تميل إلى التردد في نشر غسيلها المتسخ أمام غريب. وحين يكون الزوج غريباً لا يقوم آباء وأقرباء المرأة بإنقاذها؛ بل يشعرون بأنهم لا يملكون نفوذاً على أسرة الغريب.

والموقف يختلف في هذا المنحى في تونس. فعاطفة الأب التونسي تجاه ابنته يُضرب بها المثل بحسب الدراسات السوسيولوجية والأنثروبولوجية. وبصرف النظر عما إذا كانت متزوجة من غريب أم لا، يقدم الأب لابنته دعماً أكبر من الذي يقدمه لزوجته، من ناحية مساعدتها في العثور على عمل، سواء أكانت متزوجة أم مطلّقة. ولا تواجه النساء صعوبات في استخدام المحاكم. ويعرفن أنهن يتمتعن بدعم عائلاتهن، وقد دُعِّم استخدام المحاكم في تونس، على عكس الوضع في مصر، بنص قانوني يطلب من الطرفين أن يسجلا الولادات، الأمر الهام للتسجيل في المدرسة، والزيجات، ويمنح المحاكم حق الامتياز الحصري في اتخاذ قرار حول الطلاق والوصاية. إن هذا الموقف في تونس، المختلف في مصر، من استخدام المحاكم لحصول المرء على حقوقه في ظل قانون ليبرالي يفضل النساء متأصّل في تاريخ البيروقراطية في تونس. فمنذ الأزمنة العثمانية تمتعت تونس ببيروقراطية جيدة التنظيم سمحت لها حكومة الوصاية الفرنسية بالتطور، على عكس الوضع في الجزائر، أو في مصر تحت الانتداب البريطاني. إن الرئيس التونسي والهيئة التشريعية يستطيعان ضمان تأويل أقل صرامة للقوانين الإسلامية بخصوص النساء، كمثل إلغاء تعدد الزوجات، لأنهما يعرفان أنهما يستطيعان الاعتماد على المحاكم، والمحامين الذين تعيّنهم الدولة، والبيروقراطية القضائية لدعم النص القانوني أكثر أو أقل (أقل من ناحية المحكمة الأعلى لأنه يسيطر عليها جيل أقدم يميل إلى الصرامة في تأويل النص القانوني)، ولجعل الحكم يطبق كما يريده المشرِّع والرئيس. إن امرأة تعرف أنها تستطيع أيضاً أن تعتمد على نص قانوني إسلامي ليبرالي، ورئيس يصدر الحكم، من المرجح أكثر ألا تقاوم الدولة التي تلزمها باستخدام المحاكم، على عكس أختها، مثلاً، في مصر.

الجزء الرابع: حالات من تونس

لقد استخدمت مثالي تونس ومصر لكي أوضح كيف يؤثر السياق الاجتماعي والبيروقراطي المعاصر في قانون الأحوال الشخصية الإسلامي بخصوص المرأة بطرق مختلفة، على الرغم من أن النص القرآني الأساسي يبقى نفسه في البلدين. إن تونس نموذج لتأويلات أكثر ليبرالية للنصوص القانونية الإسلامية. مع ذلك إن النموذج التونسي، الذي يضمن حقوقاً متساوية بين الرجال والنساء، له تأثير متماثل يمكن أن تكون له نتائج غير متوقعة.
سأوضح النقطة الأخيرة التي أريد طرحها بقضيتين من منتصف التسعينيات في تونس. تتعلق القضيتان بنساء دخلن في عقود زواج. في إحدى الدعاوى عاشت المرأة سبعة أعوام مع الرجل، وأنجبت منه ثلاثة أولاد سُجِّلوا لدى الولادة كأبناء للرجل. اعترف بهم كأولاد له. أصدر مدّعي الدولة العام ضدهما شكوى على أساس معلومات مجهولة المصدر بأن الرجل والمرأة يعيشان معاً من دون أن يُسجَّلا كمتزوجين. يتطلب قانون الأحوال الشخصية التونسي تسجيلَ الزواج، والدولة تحل مكان الشاهدين التقليديين. إذن، ثمة حاجة للتسجيل أيضاً للتشديد على حظر تعدد الزوجات. يعاقب القانون أي شخص يدخل في اتحادٍ بِنيّة الزواج ولا يسجّله.

إن الدليل الذي قُدّم في المحكمة كشف أن المرأة كانت تعمل كعاهرة. واكتشفت المحكمة أنها لهذا السبب لم تكن تحت سلطة الرجل، أي لم يكن له عليها حقوق زوجية، وهي بالتالي لا يمكن أن تكون لها نية الزواج. مع ذلك نوى الطرفان أن يتعاملا مع أولادهما كأولاد زواج. لم يذكر إن كان للمرأة حق مساوٍ لامتلاك سلطة على العلاقات الجنسية لشريكها الذكر. إن طلب قانون الأحوال الشخصية تسجيل العيش المشترك كزواج كان موجَّهاً بالأصل إلى أطراف تنوي الزواج وتتزوج في ظروف تقليدية، ولكنها لا تسجل الزواج. وسَّعت المحكمة في هذه الحالة نطاقَ الفقرة العقابية لقانون الأحوال الشخصية كي يشمل أولئك الذين يعيشون معاً، حيث من الصعب تحديد إن كانت هناك نية متبادلة للزواج.

في القضية الثانية، أريد أن أتحدث عن امرأة ورجل عاشا معاً. لقد كانا شريكين في التجارة، يتاجران في الحيوانات (الأمر غير واضح). استخدم الرجل أرباح عملهما المشترك لشراء قطعة أرض. ظنت المرأة أن كليهما سيشتركان في ملكية الأرض. باع الرجل الأرض من جديد وأخذ الأرباح كلها لنفسه. رفعت المرأة دعوى من أجل حصتها. ثم قاضت الرجل لأنه لم يسجل حياتهما معاً كزواج. أمرت المحكمة بفرض غرامة على الطرفين. لكنها قضت بأن تحصل المرأة على حصّتها من أرباح البيع. اعترضت وزارة العدل، إذ يجب، بما أنها امرأة عوقبت بسبب دخولها في زواج غير قانوني، ألا تنتفع من الأرض.

إن نتيجة هاتين الحالتين ستكون مختلفة في إيران. وستحصل المرأة على فرصة إحضار دليل على عقد زواج مؤقت. إن المحكمة ستثبّت المهر المعتاد، ويتم تفادي المقاضاة بهذه الطريقة. إن عقد الزواج المؤقت هو الوسيلة للتعامل مع العيش المشترك والزواج بشكل متكافئ، وهذا أكثر ليبرالية مما هو عليه الأمر هنا في ألمانيا. إن الفكرة التي أريد أن أوضحها هي: بينما تقوم الدولة التونسية بدعم حركة حقوق المرأة في قانون الأحوال الشخصية، فإنها تتبنى منظومة تخلو من المرونة حيال النساء اللواتي يرغبن لأية أسباب أن يعشن مع الرجل الذي يحببنه. إن النظام التقليدي في إيران (ليس ليبرالياً كما في تونس) يقدم هذه المرونة للمرأة.

خاتمة

في خاتمة محاضرتي، أرغب بأن أقدم لكم هذه الاقتراح: هل من الممكن استخدام القوانين الإسلامية من أجل مصلحة حقوق المرأة؟ هل من الممكن مزج ما هو أفضل للنساء من بين كل تأويلات النص القرآني؟
إن قرار القيام بهذا سياسي. ونحن المحامين لسنا علماء سياسة. ولكننا نستطيع أن نفتح اتجاهات جديدة للقرارات السياسية.

أضف إلى: Add to your del.icio.us del.icio.us | Digg this story Digg

التعليقات (0 مرسل):

أضف تعليقك comment

رجاء أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نص عادي
الكلمات الدليلية
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع
قيم هذا المقال
0
Powered by Vivvo CMS v4.1.0-beta2