قصائد | ابداع | الرئيسية

قصائد

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

متين فندقجي*
ترجمة: عبد القادر عبداللي

* أحد أبرز الأصوات الشعرية الجديدة في تركيا. ولد في ماردين1961. له أربعة دواوين. تَرجم إلى التركية منتخبات من أشعار أمرئ القيس وجميل بثينة والمتنبي وأدونيس ومحمود درويش..


              أُهَجِّىء الرملَ ووجهَ العقرب
 
                                                                       "هذا الوضع ينتشر مثل قطرة الدم ويغطينا"
غابرييل غارسيا ماركيز
أمامي الفرات المرتحل،
وفي هذا الخليج الصغير الذي ذهب إليه البرابرة
ألقي مرساتي.
 
 التفَّ دجلة "بشاله الأحمر"
وفي رقبته عقد من أحجار حصى الزمان
بقيت من لعبةِ نَهْب.
 
أفتح وجهي على حريق ساحة الفردوس
أجساد كهرمان تتدفق من تحت الجسر
عودك مكسور، وصوته حزين
يترك جسدي لليلة "فاركا"*.
 
أقطع خان مرجان، أور، أوروك
تغط قدماي بالدم
يمضي التاريخ في مهد بابل الصغير
الليل فراش من حبل غليظ.
بابل بين السماء والأرض.
بابل أنت قفلٌ ومفتاحٌ في آن
يا حبيبةً تعلن الحداد منذ آلاف السنين
الشمس تشرق على حَجرك، وتغيب منه
على حجرك يكتمل قوسٌ رسَمه خروفٌ وعنكبوت
على حجرك ينتظر الزيتون و ظلُّ حملِكِ الطويل شمسُهما.
 
طوفان من جهة،
وسجدة من جهة
تفسَّخَ لحمُ الزمان
وقميصكِ مبتلٌّ بالدم.
 
 
تيلمون، لاغيش، غيرصو*
أشعر بموت آخر في حضني،  وحلم قديم.
أشعر بدم آخر في فراشي، يتفصد ماءً
أشعر بمرآة أخرى على وجهها قناعُ ماءٍ فضة
أشعر بك مرة أخرى، ويُقذف القمر إلى الليل

* * *

مرة أخرى،
لا تَسَلْ عن هذه الأيام الدموية الفارغة من العشق.
لا تَسَلْ عن هذه الحضارة المزالة من غير الظلام.
لا تَسَلْ عن هذه الباحة المقصوفة، وليس من السرعة.
لا تَسَلْ عن جذور التين والزقوم هذه، التي ليست من الماء.
لا تَسَلْ عن هذه الجغرافيا التي تُزرع فيها الطلقات.
لا تَسَلْ عن هذا الموت الذي يطوف من الشمال إلى الجنوب.
التاريخ المختبئ في شق عميق
الواصل بالنواح والصياح
وكل ما دوَّنت ملاحظته للغد، لا تسلْ عنه.
لا تسل عن الأجساد "الذائبة في أكفان الحروف"
لا تسل عن الجسد الذي لا تجده لتدفنه
من بغداد إلى بابل
لا تسل عن "الأنبياء الذين ولدوا مع الموت"
من بغداد إلى بابل
ولاعن الماء الذي أغسل فيه يديّ ورجليَّ،
وأتطهر به.
 
من بغداد إلى بابل
عرفنا الرملَ الذي سيخرج من حليب الأم وعينِ الطفل
عرفنا فراش الفلوجة ليلةَ نمنا
لا تسل
من بغداد إلى بابل
عرفنا الرؤوس المحمولة على أسِنَّة الرماح
مما تبقى من الأزمنة الغابرة
والدم الممزوج بالنفط
ومن الحسين إلى غرفتنا
ومن قابيل إلى مائدتنا.
وعرفنا مرة أخرى
 الإرثَ المنهوب
وأراضي الطواف
وبرودةَ التاريخ في المشرحة
من بابل حتى يومنا، فلا تسل.
 
طوفان هنا،
وصلاة هناك
تفسخ لحم الزمان
وقميصك مبتلٌّ بالدم.
* * *
 
إشارات منصوبة في أجساد الأطفال المقتولين
أكسر أختاماً شمعية
ولا أستطيع الوصول إليك.
من بابل إلى يومنا
جرى حليب المرضعة الأحمر الذي ترضعه للزمان
لا أستطيع إيجاد المعراج الأسود في عينيها
لا أستطيع الوصول إليك.
 وفي أعماق المعراج الأسود في عينيك
أهجئ الرمل ووجه العقرب.
خوفي يتبع رائحة التوابل
وبمعراج الخشب المحترق التفّ بالرمل والجراح
وفي معراج امرأتي تذوب الأختام الشمعية، فلا تسل!
 
ها هو باب الباحة المنهوبة
وهذه هي بشرتك التي تفوح برائحة القهوة يا حبيبتي.
من بابل إلى يومنا
جئتك بعادةٍ بقيت عندي منذ قديم الزمان
جرح آلاف الآبار التي تؤلم قلبي هنا.
جسد بغداد المثقوب
من الشرق إلى الغرب
ومن الشمال إلى الجنوب.
 
أنا قادم من الفراش الذي تعانقُ فيه الشمس الرمل.
ومن الطريق الذي فَتَحَته الوحشيةُ بالنار
يفوح برائحة القهوة والتوابل والميرمية.
من معراج عشقي الضائع في حضني
قادم منك وإليك.

 * فاركا: عاشق من بني شيبة
* تيلمون، لاغيش، غيرصو: مدن سومرية
 
سرُّ البحر
 
ليست هذه رحلتي الأولى ولن تكون الأخيرة.
أدرت القفل مرتين. و لكي يكون الوداع قصيراً،
وضعتُ المفتاح الدافئ في جيبي. ها قد رحلتُ.
 
روعة هذا الجبل أبردتْ جسدَك.
أعرف الأشجار واحدة واحدة،
والمخابئَ بمناديلها البيضاء المخبأة.

مسحتُ عرقي، تخيلتُ الكزبرة،
أسَرَني شوكُ السمّاق،
جذبتني رائحة الزعتر،
سحرني جمالُ الغزال،
ابتكرت ألحاناً لتغريد العصافير
صنعت دليلاًً لدرب الأودية المحفوفة بالمخاطر
من أجلكَ، تغلبتُ على خوفي من هيبة هذا الجبل
و أتيتُ.
 
ظانّاً أنَّ لا نهاية هذا السهل هي جِلدُك
صرتُ أعرف الأعشاب ورقة ورقة،
النباتات، و الحشرات، عبرتُ من زمن أزهار برتقال
حملتُ استعارة غصن الزيتون في حقيبتي
ورأيتُ خيانة الأفعى في أعشاشي
و شعرتُ برائحة أشجار اللوز، و نمتُ تحتها
عَجنتُ طين النجوم و مَزْمَزتُ شفتي بالتراب المشقق
ارتديتُ مناخك ومشطتُ القمح
ظانّاً أن لا أبدية هذا السهل في جلدك،
و لقد اجتزتُه و جئت.
 
طريق الحضارات كلها الذي يقود إليك
كان مكانك، تجولت ظانّاً الشواطئ ساقيك وذراعيك
 
عبرت همسك المضاء بالشمس
و جئت، مقطوع الأنفاس، إلى لَيلُكِ
آه أيها البحر الذي جئت لي
أحل لغزك هنا،
ها أنت هنا،
أخيرا.ً
 
 





قبل تجاوز تمارا
 
بعيداً عن اللحظات تبادلنا الحب
أكون حجراً مقذوفاً إلى ماء راكد،
بعيداً عنكِ في غرفة مليئة بالكتب
أغوص عميقاً.
 
في ضوء شمعة تحرق قلب الظلمة
أحكي عن حبي
أكتبكِ بشفاهي،
وقلبي
ينفطر وأنا أغوص عميقاً فيِك.
 
في الخرابة التي تنظر إلى قبتها
أجول بأصابعي هناك
على شكل امرأة عارية لجرة ماء مكسورة الفم.
شعرك زهرة (شب الليل)
منسدل على كتفيك
وفي أثناء نظر الشمس إليك،
أغوص عميقاً.
 
يغدو النرجس هاوية سحيقة
والقرنفل عشق الغروب
الصوت التائه لسهول و الميرمية والتبغ
في البعد العاري
لحبتي فاكهة ناضجتين، وهكذا،
أغوص عميقاً.
 
أغوص عميقاً
وأنا أنفذ بشرتك الساكنة
ألمس السماء، وتنزلق الأرض تحت قدمي
ويناديني صداها ، وأزرَقُكِ
والخليج الصغير يفتح حضنه للريح الذي يلعب بي
الماء الحافر في الصخر يقف مثل مرآةٍ لا غيم فيها
وأنا أنفذ بشرتك الساكنة
ألمس أعشابك النامية
أنجرف محتضناً جهنم،
ومع قطرة الماء التي تسيل من خصرك الرطب
أغوص عميقاً.







القادمة من بعدي
 
عندما تُغمض عيناي لن تكوني بجانبي
مثل شجرة شاخت بجوار درب فرعي
لن ينتبه إليّ المارون، غير
الأفعى التي تغير قميصها في جسدي.
 
عندما تغمض عيناي لن تكوني بجانبي
عندما ينتشر الظلام عبر النافذة البيضاء التي أنظر عبرها
والجدار الأبيض، والغطاء الأبيض، والقرنفلة البيضاء
لن يأوي الماء لمعانه.
 
عندما أغمض عيني لن تكوني بجانبي
ولن تقف الشمس في الظلال التي قصرت
وعندما تتعرق الجرة في العتبة،
لن أتذكر برودة البيوت الحجرية.
 
لن أنتظرك عندما تغمض عيناي
ولن أصعد إلى الجبل الذي أحبه من دونك.
سيقف بعيداً عني البدوي الذي ينتظر الصحراء
وستنساني الأنهار
عندما ستخرج تلك الليلة لمعانقة البحر.
 

أضف إلى: Add to your del.icio.us del.icio.us | Digg this story Digg

التعليقات (0 مرسل):

أضف تعليقك comment

رجاء أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نص عادي
الكلمات الدليلية
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع
قيم هذا المقال
0
Powered by Vivvo CMS v4.1.0-beta2