الافتتاحية ... ألِفٌ ونون
أحمد حافظ
الجدار مذكَّر، والنافذة مؤنَّث.
لا يَصلح البُنْيانُ الكتيم، مهما عَلا وتماسَكَ، للسُكنى. لأنَّ معنى المكانِ أنْ يطلَّ على أُفقٍ، ويَشفَّ عن أعماق. لهذا تُجرح الجدرانُ بالنوافذ.
في البداية، تَضطرب الحجارة من طعنة الضوء المباغِتة، وقد تختلج وتُدَمْدِم. ثُمَّ، ليلاً بعد نهار، تَنسى ماضيَها المعتِمَ الصَموت، وتَأْلف هذا الحاضرَ الفسيح: خشباً يَبثُّ في الأركان عبقَ الغابات، زجاجاً يَنثر على الزوايا دفءَ القناديل، وتيّاراتِ هواءٍ تَصدُّ عن السطح معاولَ الرطوبة، وتملأ فراغَ الباطن بخطى الآتين وأصداءِ الراحلين.
كذلك فَعَلَ الحبُّ بـ( أنكيدو). خارت ركبتاه، بعد وصاله الجامح مع (شامات)، ثَقلتْ خطاه، وارتختْ قبضته. وما إنْ صَحا من خَدَرِ اللذّة، حتى تبخَّرت وحشةُ الروح، واستوى على الأرض بَشراً رائقَ الضمير طريَّ الحواس. حضوره صداقةٌ بين الريح والمطر، وغيابُه نارُ أسئلة.
* * *
الغابة مؤنَّث، والحريق مذكَّر.
يَستغلُّ (المجهولُ)، الذي تُقيَّد ضدَّه جرائمُ حرق الغابات، غموضَ نتائج التحقيق: لفافةٌ مشتعلة لعابرٍ شارد، بقايا موقدٍ لمتنزِّهينَ سكارى، صاعقةٌ طائشة، ترابٌ محموم.. إلخ، فيحيل رئاتِ الأرض فحماً، ويَردم الينابيع بالإسمنت.
ويَنتهز (المعلومُ)، الذي يُدمي المرأةَ كلَّ يوم، وضوحَ الأعذار المخفِّفة: فورةُ دم، نوبةُ سُكْر، غيرةٌ طفحتْ من مرجل الحب، طبعٌ شكّاك يستفزّه الجمالُ الحَرون.. إلخ، فيُكوِّم الزوجةَ كيسَ تمارينٍ مؤبَّداً لقبضتيه، ويؤثِّث البيتَ بالسلاسل.
وحبكةُ المأساة، في الحالين، واحدة: قويٌّ أعزل رسالتُه الفيء، وعاجزٌ مؤيَّد حيلتُه النار.
حقدُ العاقر على الخصيب، ونقمة الهدّام من الباني.
لأن الغابة إعلانٌ صامت لغَلَبةِ المقيم على العابر. لو احتشد فيها جيلٌ من الطغاة لما ملأوا ظِلَّ شجرة، وإلى أن يَخلع الزمانُ كلَّ أسنانه ستبقى الجذور طفولةً تحبو. حفيفٌ لا تزاحم سلطانَه على الأعماق أيّةُ آلة، وأغصان تعلو فتتناسل النجوم؛ وتنحني لتمتلئ الأعشاش.
والمرأة براعمُ الهمسة القاهرة فؤوسَ الصراخ: تَنهض باسمةً من هول مخاضٍ، لو كابدته كتيبةُ غزاة لرفعت الرايات البيض. وتطوي، كتذكارٍ، شهور سَهَرٍ، لو ذاقها الفحولُ لترنَّحوا بين المصحّات. آلامها دفءٌ تنسجه إبرةُ الصبر قطبةً قطبة، ونزيفها غدٌ يَسند أعمدةَ المكان. فيءٌ لا ينحسر، عطرٌ لا يُحتَوى.
أمّا لماذا يقتني حارقو الغابات حدائقَ صغيرةً (أو مجموعة أصص) يحنون عليها بالريّ والتسميد والجرعات الدقيقة من الشمس والظل؟ ولماذا يخطر الزوجُ الجلاّد خارج البيت وديعاً ليّناً يذوب طرباً لرنين قهقهةٍ فاحشة، ويخرُّ ساجداً لإغراء كعبٍ عالٍ؟ فهذا من طبائع الاستبداد: لا يُنَكَّلُ بالغالي المنيع إلاّ كُرمى للرخيص المُرَوَّض. ألمْ ترَ صوَرَ مشاهير السفّاحين وهم يداعِبون، بشغفٍ ومرح، حيواناتِهم الأليفة؟!
***
السيف مذكَّر، والوردة مؤنَّث.
تعتيمُ الزاوية التي يَرقد فيها الجسدُ المدمّى، وتسليط الضوء الباهر على منتصف المنصّة حيث يؤدي الجاني، راكعاً، مونولوجات الندم: قاعدة إخراجيّة تُطبَّق في كلِّ المسرحيات التي تُختتم بجريمة قتل. فلا بطولةَ للصمت إذا كان المبتغى تصفيقَ الجمهور. أصلاً لم يُسنَد هذا الدور إلى الضحية إلاّ لتدعم ارتقاءَ القاتل درجةً جديدة في سلَّم الشهرة.
بِحِيلةٍ كهذه، والحياةُ مسرحٌ، سَهَوْنا عن (ورد) وفُتِنّا بـ(ديك الجن).
مَحا رنينُ القوافي، من ضمائرنا الطروبة، حلكةَ الدم ووحشةَ الأنين. بَخَّرَ عطرُ الندم الذي رُشَّ على موقع الجريمة، سنواتٍ طويلة، عفونةَ الغرائز. وقرأنا سيرةَ (ورد): عذراءَ حرَّةً تتهادى إلى النبع، فطريدةً يستدرجها الكاسرُ إلى فيءِ قيلولتِه، ففريسةً مملوكةً باليمين، فجثةً ساخنة؛ شراراتٍ تتَّقد على التسلسل ليُشعَّ علينا (نورُ العبقرية)!.
وبدلاً من أن يُعابَ القاتل ويحاكَم ويعاقَب، اتُّخِذَ قدوةً للمواهب وأيقونةً للمكان. فيا للشِعر، الذي وُجِدَ بالحياة وللحياة، كيف صار بوقاً يبرِّر الجريمة، ونعيقاً يتغذّى من بقاياها!. ولئن قيل: "أعذَبُ الشِعر أكْذَبُه"، الأصحُّ أن يقال: "أخطَرُ الشعر أكذبه".
أمّا براءة (ورد) من تهمة الخيانة، فلم تغيّر في الأمر شيئاً. اغتنمَها القاتلُ فرصةً لتسويقِ عُقَدِه، وابتكارِ ذرائعَ ناعمةٍ أخرى:
فَوَحَقِّ نَعلَيها، وما وطِئَ الثرى شيءٌ أعَـزُّ عليَّ من نَعلَيها
ما كانَ قَتْلِيْـها لأنـي لم أكُـنْ أبكي إذا سـَقَطَ الغبارُ عليها
لكنْ ضَنَنتُ على العيون بِحُسْنها وأنِفتُ من نَظَرِ الحسودِ إليها
كمِثلِ ما يَحدث الآن في جرائم الشرف: ما إنْ يُثبت الطبُّ الشرعي عذريّةَ الضحية (وهي غالباً إبنةٌ أو أخت)، حتى يَنفشَ القاتلُ صدره زاهياً بوسامٍ جديد يرفعه من مرتبة الإنسان الناقم على الفعل، إلى مقام الإله المُقتَصِّ من النوايا.
والمجرم، في العصرين، مطمئنٌّ إلىِ أنّ أسُسَ براءته راسخةٌ، ليس في العرف والقانون فحسب، بل ـ أحياناً ـ في وعي الضحية التي لطالما لُقِّنتْ أن تَعبدَ قسوةَ الحبيب، وتَسلكَ الحبَّ درباً إلى المقصلة:
كلُّ السيوف قواطعٌ إنْ جُرِّدَتْ وحسامُ لحظكَ قاطعٌ في غِمدِهِ
إنْ شئتَ تقتلني فأنتَ مُحَكَّمٌ مَنْ ذا يطالِبُ سيّداً في عَبدِه
ولقد سال حبرٌ غزير عن فضل (قصة ديك الجن) على (مأساة عطيل) وأُغفِلتْ حقيقةٌ أساسيةٌ بسيطة: أنّ عقل شكسبير اليقظ لم يَشأ إسدال الستار على جثمان (ديدمونة) قبل أن ينتحر عطيل فراراً من حصار نيرانٍ عديدة: وطأة العار، وفراغ القلب، وحُكْمِ القانون.
***
العُودُ مذكَّر، والأُذن مؤنَّث.
الصمتُ محنةُ الأُذنِ الطروب. تبقى، إذا انطفأ النَغَمُ، متوتِّرةً كجرحٍ حارّ، لهفى كظمأ لم يَصِلْ، خائبةً كبرعمٍ أغمَضَه الجليد. والعُودُ لا يُبالي. ساكنٌ كأيّةِ آلةٍ أنهت شُغلَها. يَلزمه، ليُكرِّرَ النشوةَ، تمرينٌ للأصابع، دوزانٌ للأوتار، وربما مستمِعٌ جديد.
محنةٌ خالدة خفيَّة، تَحدث كل يوم، تحت سقوفٍ كثيرة. حين تعلو أرجوحةُ المسرّاتِ بالكائنَينِ إلى أقصى مطالِها، فيَسكب الرجلُ ماءَ القلب، ثم يَخمد.. وجهه إلى الحائط، يداه مضمومتان، ورأسه في الضباب... والمرأةُ صَدَفةٌ ملقاةٌ على الساحل: يَكتم شهقاتِها الرملُ، ويَلطم ثناياها رنينُ الأمواج.
لا عَجَبَ، إذن، أنْ تَخلع أغنيةُ فيروز أجنحةَ الملائكة، وتمشي حافيةً على تراب الواقع. بكلمات تفضح ظمأَ النونِ إلى الألِف، وإيقاعٍ يَمزج الغبطةَ بالأسى، وصوتٍ يُمَوِّهُ بحَّةَ اللوعةِ بهديلِ الدلال:
"عُودَكْ رنّانْ. رنّة عودك إلي. عِيدا كمانْ..".



del.icio.us
Digg
التعليقات (0 مرسل):
أضف تعليقك