الفنانة تمام الأكحل... رائدة التشكيل الفلسطيني
سامر إسماعيل*
*فنان تشكيلي وكاتب
في ظل طور زمني، بكل مآسيه ومحنه الإنسانية، وخلال لحظات فاصلة في الحياة، انبثقت حالة إبداعية تمسك بريشة اللون لتسجل إبداعياً مرحلة هامة من تاريخ فلسطين عبر تجربة ذاتية لفنانة شكلت شهادة لعصر استلاب الحق الفلسطيني. وتكمن الأهمية الأخرى في أن هذا الإبداع لفنانة تعتبر بحق رائدة الفن التشكيلي الفلسطيني، تلك الريادة شكلتها مع رفيق دربها الفنان إسماعيل شموط، وهما المدرسة الأولى للفن التشكيلي الفلسطيني في الداخل وفي الشتات، ومن رحم هذه المدرسة وُلدت تجارب فلسطين الفنية باتجاهاتها ومناخاتها المختلفة.

تمام الأكحل فنانة من ذاك الزمان، شكلت بصمتها الإبداعية دون ارتجال وعبثية، وعبرت عن فن مسؤول من دون السقوط في مطب المباشرة واللعب على مضمون الثورة والسياسة، وهو إشكال وقع البعض فيه من ناحية الاهتمام بما هو سياسي وإعلاني، دون الاهتمام ببنى تشكيلية من المفترض أن تكون بالحد الأدنى موازية للحدث السياسي والثوري. تمام الأكحل فنانة قدمت نفسها عبر الخط واللون بقامة فنية وأسلوب هادئ فيه ثورة داخلية، لكنك تراها بصرياً عبر الشكل الفني.

يافا والهجرة
لايمكن لتمام الأكحل أن تنسى ذلك اليوم المشؤوم، يوم هجرتها من يافا وهي طفلة تحت أزيز الرصاص، فذلك اليوم معلق على جدار الذاكرة، وباب حياتها اليومية، وهي دوماً محملة بأحلام وأمانٍ تراها من نافذة المستقبل. يافا.. تلك المدينة الساحرة بأزقتها وحواريها ومينائها الذي كان ملتقى ثقافات شكل متناً رئيسياً في أعمالها. ويافا مدينة كنعانية معناها الحب، هجرتها الأكحل وحنينها إليها مازال باقياً للآن، فهي تشعر بأنها على مرمى حجر من مكان إقامتها في عمان، ولايزال منزل أسرتها باق كما كان، فقد اغتصبته يهودية وحولته إلى صالة عرض (غاليري)، وهي مصادفة غريبة من نوعها، فتمام الأكحل التي لاتزال تملك مفتاح منزلها، الذي تغير بابه الآن، حاولت عندما زارت يافا عام 1997 أن تدخل البيت الذي هو بيتها أساساً، فمنعتها الغاصبة.
فيما بعد دخل ابنها المنزل (الغاليري)، ومن غرفتها اتصل بها وأخبرها بأنه يقف في غرفتها، وطمأنها على عمود الرخام، لكنه أخبرها بأن اسمها الذي حفرته على العمود قد تمت إزالته. في هذا الطور الزمني تتحول مدينة يافا من مدينة الحب إلى مدينة الاغتصاب.

البدايات
ترحل تمام الأكحل مع أسرتها في الليل يوم 28 نيسان عام 1948، ولا تعرف إلى أين، فقد كانت يافا يومها مضاءة بالقنابل، والناس يرمون أنفسهم في القوارب دون اتجاه محدد. حطت الأسرة في بيروت، وكان عمر الأكحل 13 سنة، فاشتغلت في التطريز، والتحقت بكلية المقاصد الخيرية مجاناً، كونها لاجئة ولفتت نظر الآخرين في موهبتها التي رعاها والدها مبكراً، وقد أعطتها الكلية بعثة للدراسة في مصر في المعهد العالي للمعلمات في القاهرة، وهناك تأسست تجربتها. في ذلك الوقت كان اسماعيل شموط يدرس الفنون في القاهرة بمبلغ متواضع يرسله له ذووه، وبمساع من جامعة الدول العربية تم إقامة معرض للفن الفلسطيني عام 1954 في نادي الضباط، وتم العمل على هذا المعرض بمساعدة أصدقاء أحدهم كان ياسر عرفات رئيس رابطة الطلبة الفلسطينيين. عنوان المعرض كان (اللاجئ الفلسطيني)، وقد حضره جمال عبد الناصر. في ذلك المعرض تعرفت الأكحل إلى الفنان اسماعيل شموط، ثم تزوجا وشكلا تجربة فنية مشتركة متشابهة في الأسلوب كونها تنتمي إلى الواقعية التي تنحو باتجاه التعبيرية، لكن تمام الأكحل لها لمستها التي تميل نحو التبسيط واللمسة الأنثوية في بناء اللوحة. استمرت الأكحل في التجربة، وفي إقامة عشرات المعارض مع الفنان شموط، حتى جداريات الفنانَين التي جاءت بعنوان (السيرة والمسيرة).

اللغة الفنية
لاشك في أن الفنان إسماعيل شموط والفنانة تمام الأكحل قد شكلا مدرسة فنية منحازة للمتلقي، لاغموض أو لبس فيها، وهما جناحاتجربة متكاملة، أو يمكن القول إنهما فنانان في لوحة واحدة شكلت شاهداً حقيقياً على تاريخ الشعب الفلسطيني.
تمام الأكحل فنانة تمتلك شفافية عالية، سواء في العلاقة مع الخط، أو التعامل مع المساحة اللونية، وقد بنت عناصرها بشاعرية الاتكاء على رمز الحصان، أو المفردات والزخارف التي لها علاقة بالعمارة. والفنانة تتجه أحياناً نحو التجريبية، لكنها تحافظ على الإطار العام لسمات لوحتها المنحازة نحو الواقعية والترميز، وتميل في أعمالها الأخيرة نحو التعبيرية التي تجلت في الجداريات التي تناولت السيرة الفلسطينية من خلال تجربتها الذاتية، فكانت جريئة، مع لون أكثر حضوراً وغنى، والتكوين فيها حلزوني.
تبدأ الأكحل لوحة (يافا عروس البحر) بتوثيق الحياة اليومية، في بانوراما تتضمن المزارعين وبيوت يافا وأزفتها وبحرها الذي يلعب الأطفال على شاطئه، من الميناء والسفن، إلى المدينة التي تبدو حيوية بالحياة التي تدب فيها، ولا تهتم بعلاقة الحجم والمنظور، حيث البيوت بحجم الأشخاص. وتقيم الأكحل تداخلاً مشهدياً غير منطقي، لكنه واقعي. وفنياً، جاء في سياق صحيح تكوينه موسيقي، دون نشاز في تركيب تلك المشاهد. هذه الطريقة في الرسم موجودة في عدد من الجداريات، مثل لوحة (الحلف الإجرامي)، أما في لوحة (الاقتلاع من يافا) فهي تصور مشهد التهجير بحساسية عالية في التعبير، وتعطي دلالة واضحة لتفجر الشاطئ أو غضبه، والشخصيات مشحونة بالفزع والخوف والقلق. وواضح في هذه المجموعة أن الأكحل تضع بصمتها الإبداعية وشخصيتها الفنية، ودون إطالة نشير إلى لوحة (الشرخ)، حيث الترميز واضح إلى أن الاحتلال قد قسم المدينة، أو القرية، إلى قسمين، ويتجلى الترميز أيضاً في لوحة (لاتتركوا الحصان وحيداً)، وفي لوحة (التحدي).

محطات
ـ ولدت في يافا عام 1935.
ـ شردتها النكبة مع أهلها عام 1948.
ـ حصلت على منحة دراسية من كلية المقاصد لدراسة الفنون في القاهرة عام 1953، وتخرجت عام 1957.
ـ تزوجت الفنان اسماعيل شموط عام 1959.
ـ من عام 1983 إلى عام 1992 اضطرتها ظروفها أن تغادر بيروت، وتعيش في الكويت متفرغة للفن، وأقامت مع زوجها العديد من المعارض الفنية، بعدها غادرت الكويت لتعيش في مدينة كولون الألمانية.
ـ في عام 1964 أقامت عدداً من المعارض مع زوجها في عدد من الولايات الأميركية، ومنها في جامعة فيلاديفيا. حينها تجمهر عدد من اليهود أمام رئيس الجامعة لإيقاف المعرض، قال لهم رئيس الجامعة: منذ سنوات طويلة، ونحن نسمع إليكم دعونا لمرة واحدة في الحياة نسمع للفلسطيني. في اليوم التالي افتتح المعرض، ولم يأت أحد، وكان السبب أن بعض اليهود لبسوا الزي العربي وحملوا لوحة مكتوب عليها (المعرض تأجل لوقت غير معلوم). لكن في ما بعد توافد الحضور وشهد المعرض إقبالاً.



del.icio.us
Digg
التعليقات (0 مرسل):
أضف تعليقك