الفنانة الراحلة إقبال ناجي قارصلي
عصام درويش*
* فنان تشكيلي.
في حياة قصيرة، مليئة ومبدعة، رصدت فيها طبيعة بلادها، وهموم ناسها، كانت لدى إقبال ناجي قارصلي الشجاعة لخوض مغامرة البحث عن الجمال ومعنى الوجود، حتى توقف قلبها الشاب عن الخفقان بعد رحلة لاستكشاف أقرب الوقائع، وأبعد حدود الخيال.

لم تدرس الفنانة الراحلة إقبال ناجي قارصلي الفنون الجميلة دراسة أكاديمية، ولم تدرِ حين تزوجت في الخامسة عشرة من عمرها أن حياتها لن تنتهي كما انتهت حياة أغلب بنات جيلها، مقتصرة على الاهتمام بالزوج والبيت والأولاد، وظل حلم آخر يراودها إلى أن انخرطت فيه مشاغبة محدودية اليومي، ومراوغة القدر المحتوم، وباحثة إلى آخر يوم في حياتها عن الجمال خارج إطار العادي المكرور.

رصدت إقبال قارصلي، على طريقتها، طبيعة بلادها، وهموم الناس، وساعدها في ذلك اضطرار والدها المعلم للتنقل بين قرى ومدن الريف السوري، وبعده زوجها، حيث عاشت معه في مدينة تدمر أحد عشر عاماً بين عامي 1940 ـ 1950. وقد أكدت في أعمالها على خصوصية تلك الطبيعة بأسلوب يعتمد على واقعية مباشرة تقترب في أحيان كثيرة من الانطباعية في تركيزها على الألوان المشرقة، وفي رغبة الرسم خارج الأستوديو، مستخدمة ألواناً سميكة بواسطة السكين، أو فراشي الرسم خارج الأستوديو، مستخدمة ألواناً سميكة، ومؤكدة على تصوير حياة الناس والبيئة من حولها.

ورغم معاندة الظروف ثقفت نفسها عن طريق القراءات الفنية والأدبية المكثفة. وانتسبت وهي في دمشق لمعهد الجواهري في مصر للدراسة بالمراسلة بين عامي 1956 ـ 1958، وكانت الفنانة الأولى في سوريا التي تقيم معرضاً فردياً لرسومها العام 1964 في صالة الفن الحديث العالمي.

تنتسب قارصلي إلى زمن رواد الفن التشكيلي في سوريا، الذين بدأوا المشوار الصعب حين كانت كل خطوة محسوبة على الصعيد الاجتماعي بالنسبة للفنانين الذكور، فكيف بالنسبة للنساء، وحيث كان العمل بالفن التشكيلي مرافقاً للهدر وتضيع الوقت في ما لا ينفع.

وكان لديها الشجاعة لخوض مغامرة البحث عن الجمال، ومعنى الوجود، والإيمان بقدرة الفن، وكان لديها إمكانية التعبير الفني المتناسبة مع مرحلتها التاريخية، في رحلة غنية وقصيرة انتهت العام 1969 في دمشق.
يقول الأستاذ طارق الشريف عن تجربتها: «.. حين عرفتْ موهبتها بدأت بالتفكير بالتعليم بالمراسلة، وذلك عن طريق رسم اللوحات وإرسالها، وأخذ المعلومات الفنية، وهكذا خطت الخطوة الأولى نحو تعليم الفن، والرسم عن الطبيعة، والبحث عن الشخصية الفنية.

وهكذا اختارت الواقعية التي نراها (دقيقة)، وأحياناً تقترب من الانطباعية في اللون والتشكيل الحرفي، وهكذا أعطت الموضوع أهمية كبيرة. كما أن علينا أن ندرك أنها الفنانة التشكيلية التي نظمت عدة معارض فنية في تلك الفترة، وأنها عملت بلا كلل أو ملل حتى كسبت قدرتها على عمل لوحة فنية.
وهي تستحق كل التقدير لجرأتها في تحدي الصعبات والعقبات في مرحلة كان فيها الفن صعباً، ولا يلاقي التشجيع للفنانين الموهوبين، فكيف لفنانة أرادت أن تربط موهبتها بالواقع، وترسم منه، وهو ما يعتبر البداية للفن التشكيلي الذي ازدهر بعد ذلك وقدم الفنانين المختلفي التيارات والاتجاهات الفنية، والفنانات اللواتي وصلن إلى مرحلة الإبداع والتجديد، والتي مهدت لهن الفنان إقبال قارصلي».
ولا شك بأن التركيز على الريادة، بمعنى الشجاعة في اقتحام حقل مجهول ومليء بالعقبات، هو ما يميز تجربة الفنانة إقبال قارصلي ويعطيها أهميتها الخاصة، بالإضافة إلى أهمية بحثها الفني على الصعيدين الإنساني والتقني.

تقول إقبال في بداية رحلتها التدمرية العام 1940: «.. لا أعتقد أنني أستطيع الخروج وحدي في هذه الأزقة الغريبة عليّ، وإلى سيدات أصغرهن بعمر والدتي.. كنت أجلس بينهن وأشعر أن روحي بعيدة جداً، وأنني لست في هذا العالم وهذا المحيط، وأن لي مناخاً آخر في خيالي، ولي حياة أخرى في هذا الكون الواسع. كانت أحاديثهن تشعرني بوضاعة الحياة وتفاهتها. كن يتكلمن عن الغائبة منهن، فلانة كذا وفلانة كذا، وإذا اجتمعن، وكثيراً ما يجتمعن، كانت المناقشة أدعى للاشمئزاز، وغالباً ما تنتهي بالشتائم».

وقد شكل هذا الإحساس بالانفصال عن الحياة العادية، والرغبة في خلق عالم مواز، أحد أهم أسباب تعلق إقبال بالفن، حيث وفي مواجهة البياض تستطيع أن تنشئ عالماً آخر، مزيجاً من العالم الواقعي مع إضافات تجعله أكثر بهجة وأكثر احتمالاً.
ولكن نظرتها الانتقادية لمجتمعها لم تكن لتؤسس انفصالاً عنه بالمعنى الواقعي للكلمة. تقول في المذاكرات ذاتها: «.. في أحد الأيام قلت لهن: تعالوا أحكي لكُنَّ رواية قرأتها. قلن وما هي؟ قلت: رواية الأرض الطيبة.. وبدأت أتكلم وكان كلامي صادراً من قلبي.. ومن يومها جعلت من نفسي، أنا الصبية الصغيرة بالنسبة إليهن، حكواتي البلدة. وكن ينتظرون اجتماعنا بفارغ الصبر.. وكنت أقرأ الرواية ليلاً لأحكيها لهن في الأمسيات، وكنت أراجع الروايات التي قرأتها سابقاً كأنني تلميذة تريد حفظ درسها لتقدمه أمام أساتذتها. كن جميعاً يحببني لأنني أسليهن.. أما أنا، أما قلبي فقد أحب أن يراهنَّ هكذا منصتات إلي، معجبات بي..».

وهنا يبدو أنها آثرت الانخراط إيجابياً في استنباط حلول للمعضلات الاجتماعية، وليس الهرب من مواجهتها، وهذا يفسر إلى حد كبير دخول الناس والمحيط في لوحاتها، ورغبتها الدائمة في التعبير الفني باستخدام علاقتها بالمجتمع وبالبيئة الخاصة لبلدها. وقبل وفاتها بقليل قالت إجابة على سؤال: «إن ما يربط الإنسان بالفن هي تلك الحاجة للتعبير الإبداعي، والتي يتفرد بها الإنسان عن كافة الكائنات الحية. الفن هو أداة للتعبير عن المشاعر الإنسانية.. مشاعر رؤية غروب الشمس، وتفتح زهرة. ذلك الهدوء الذي يغمره في ضوء القمر يجعله قادراً على تذوق جمال ايحاة ودفئها وعواطفها».
يقول فاتح المدرس عنها: «الريف السوري منح بعض الفنانين التشكيليين مقدرة ذات أثر فعال في المحاكات اللونية الرصينة لما لهذا الريف من مميزات غنية من اللون على مدار الفصول، وقد تعرفت إقبال على الريف السوري مع والدها المعلم، وتنقلت بين مرتفعات بلودان وبادية تدمر، واستطاع الغروب على الأفق الغربي أن يمنحها ذلك الحبور الحزين، مخففاً من صدمة القدر العنيفة التي أصابتها من أسرتها. لقد كانت سيدة شجاعة، صامتة.. وبعد موتها فهمتُ ما تعنيه من لوحاتها: امرأة في مخيم اللاجئين، امرأة تتأمل غروب الشمس في تدمر. وكان أسلوبها حراً يشير إلى مفاهيم انطباعية، تعبيرية فيها الكثير من الحرية الذاتية، ولم تكن ألوانها تشير كثيراً إلى أحزانها.. كانت قوية متفائلة، ولم يمنحها القدر الفرصة.. إن قيمة هذه السيدة السورية العظيمة تكمن في الطاقة المهمة التي تتمتع بها المرأة السورية المثقفة في مجتمع درج بشجاعة على هضاب الاستقلال في أواسط الخمسينيات بعد ركود دام قروناً، إنها من الطليعة الرائدة».

عالجت الفنانة إقبال العديد من الموضوعات التي كانت سائدة في فترتها الزمنية: الطبيعة الصامتة التي أغرمت خصوصاً الورود. المناظر الطبيعة التي تنوعت بتنوع المناطق الجغرافية التي تنقلت فيها، والوجوه الشخصية لأولادها ومعارفها. كما للوحات الأشخاص في الطبيعة التي برغت بها، والتي شكلت أفضل أعمالها.
يقول المخرج محمد قارصلي إبن الفنانة الراحلة: «.. مزيج التواضع والجرأة. السعي والتجريب مع معرفة القواعد والأسس. جموح الخيال مع قوننته ضمن الأسلوب الملائم له. البحث وتثقيف الذات. الألم من العجز وقوة الروح. الإصرار على التطور والنمو، والدأب. كل هذه الصفات، وكثير غيرها، جعلتها تبدو وكأنها امرأة قوية وعارفة لما تفعل وساعية إليه.. ولكن كم تخدع المظاهر. فكل من كان يعرفها عن قرب كان يعرف كم كانت رقيقة وهشة. كم كانت قابلة للكسر والإنكسار. كم كانت «خائفة»، «مترددة»، و «ضعيفة».
إنه سر الفن العظيم، الذي يكمن في الجمع، بسرية مطلقة، بين القوة الظاهرة، والحساسية والهشاشة والرهافة الداخلية. وهو جمع يمكن أن يكون له ثمن باهظ أحياناً.
في ألمانيا، وبعد عدة مشاكل صحية غير مفهومة شخصت للراحلة إقبال قارصلي حالة تسمم بسبب استخدام الألوان الزيتية، تسمم ناتج عن الرصاص الذي تحتويه الألوان، والذي قد يصيب أحياناً الأعصاب والعنق، ويصل تأثيرة لاحقاً إلى الدماغ.

كان لإقبال ناجي مشوار مرير مع المرض والإرهاق والتعب، ولكن الفنانة الراحلة لم تتوقف عن الرسم حتى مساء الحادي عشرين من أيار العام 1969، ليلة أخيرة مع الرسم، ففي الساعة الثانية والنصف بعد منتصف الليل توقف قلبها الشاب عن الخفقان.
نبذة عن حياة الفنان إقبال ناجي قارصلي
ولدت الفنان إقبال محمَد ناجي (السيدة قارصلي) في دمشق عام 1925. عاشت طفولتها متنقلة بين دمّر والزبداني ودوما ودمشق، بحكم طبيعة عمل والدها المعلّم في المدارس. تزوجت في الخامسة عشرة من عمرها، وانتقلت بعد زواجها إلى تدمر، حيث عاشت فيها مع زوجها الموظّف لمدة أحد عشر عاماً 1940 ـ 1950. وقد كان لهذه الفترة التي قضتها في تدمر الأثر الأكبر في تكوين شخصيتها الفنّية وإثراء ثقافتها ومواقفها الحياتية والإنسانية. إضافة إلى قراءاتها الفنيّة الكثيرة والمكثّفة، وتتبّعها للحركة الفنيّة في داخل سوريا وخارجها. ورغبة منها في متابعة دراسة فنيّة منتظمة، فقد انتسبت لمعهد الجواهري في مصر لدراسة الفنون بالمراسلة، حيث استمرّت في الدراسة فيه لمدة عامين 1956 ـ 1958.
في الفترة 1954 ـ 1969 دأبت على المشاركة في جميع المعارض الجماعية والمحلية والدولية والعالمية. كما اشتركت في مسابقات ملهمة الفنانين ونالت العديد من الجوائز.
في 1964 أقامت معرضها الفردي الأول في صالة الفن الحديث بدمشق، وكانت أول فنانة سورية تقيم معرضاً فردياً.
في عام 1966 أقامت معرضها الفردي الثاني في صالة المركز الثقافي العربي بدمشق.
في عام 1968 أقامت معرضها الفردي الثالث في مدينة روستوك ومدينة غرايغزوالد في ألمانيا الديموقراطية.
في عام 1969 أقامت معرضها الرابع في مدينة الطبقة (الثورة/ الرقة).
في أيار عام 1969 توفيّت بدمشق في قمة عطائها الفني، وفي بداية مرحلة جديدة في تطوّرها وتبلور تقنيّة جديدة طوّرتها بدأب وحماس. وكانت تزمع إقامة معرض مخصص لأسلوبها الجديد في العام نفسه. كان مرضها ناتجاً عن تسمم مزمن بالرصاص المتواجد في الألوان الزيتية التي كانت تستخدمها.
ومنذ عام 1963 وحتى وفاتها كانت تعرض لوحاتها في المعرض الدائم ببيروت المعرف بـ (غاليري ون) والذي سوّق أعمالها لبلدان أوروبا الغربية وأميركا وكندا وأستراليا.
في عام 1971 أقيم معرضها الشخصي الخامس في الذكرى الثانية لوفاتها في المركز الثقافي العربي بدمشق تحت إشراف وزارة الثقافة.
في عام 1985، وبمبادرة مشكورة من نقابة الفنون الجميلة ودعم وتشجيع وزارة الثقافية أقيم معرض شخصي لأعمالها، وكان معرضها الفردي السادس، وجاء بمناسبة الذكرى السادسة عشرة لوفاتها.
أعمالها موزّعة ضمن المقتنيات الشخصية والمتحف الوطني ومجمع الباسل.



del.icio.us
Digg
التعليقات (0 مرسل):
أضف تعليقك