المـرأة الفلسطينيـة ... من الخباء إلى الثورة
صقر أبو فخر*
*سكرتير تحرير مجلة ( الدراسات الفلسطينية)
في تاريخ فلسطين الجليّ نساءٌ كان لهن شأن كبير جداً في تاريخ البشرية. ولعل السيدة مريم العذراء ابنة الناصرة، في الجليل الفلسطيني، أشهر امرأة في تاريخ الإنسانية على الإطلاق. وفي تلك الحقبة الباهرة من العصور القديمة سطعت في سماء فلسطين ثلاث نساء ما زال العالم يمجِّد أسماءهن أيما تمجيد، وهن: مريم بن يواكيم (العذراء)، وأليصابات زوجة زكريا (والدة يوحنا المعمدان = يحيى)، ومريم المجدلية.
لم تظهر في فلسطين، بعد عصر المسيح، أي امرأة ذات ألق خاص، أو حضور إنساني مميز. وفيما بعد عاش المجتمع الفلسطيني، مثل أي مجتمع تقليدي، في رتابة وركود طوال 800 سنة متواصلة، كان أحلك فتراتها الحكم السلجوقي، ثم الحكم التركي. وفي هذه الأثناء، لم تعرف فلسطين نساءً من طراز زنوبيا، على سبيل المثال، أو حتى شجرة الدر، أو ست الملك. وربما كان الأمر نفسه لدى الرجال؛ ففي التاريخ الفلسطيني الوسيط لم يظهر شاعر فلسطيني كبير، أو فقيه مشهور، أو محِّدث ذو شأن، لأن الناس كانت تقصد فلسطين للعبادة في الأديار النصرانية، أو لمجاورة المسجد الأقصى، فمال ميزان فلسطين نحو القداسة. بينما كان الناس، بمن فيهم النخب الفلسطينية، يقصدون بغداد، أو الشام، أو القاهرة، لطلب العلم، أو التجارة. حتى أن بعض الذي نبغوا من أبناء فلسطين، في تلك العصور، كانوا ممن قطنوا الشام، أو الديار المصرية، أمثال العلامة عبد الغني النابلسي، الذي اتخذ من صالحية دمشق مقراً له. وبقيت الحال على هذا المنوال حتى مطلع القرن العشرين، فتبدل أمر الناس، وراحت فلسطين كلها تواجه مصيرها المضطرب.
المرأة المعاصرة
خرجت فلسطين من تحت عباءة الحكم العثماني في سنة 1917، لتقع في براثن الانتداب البريطاني. وكانت الهجرة اليهودية التي بدأت في سنة 1882، واتضحت مقاصدها تماماً مع صدور إعلان بلفور في 2/11/1917، هي عصا موسى التي أيقظت المجتمع الفلسطيني من رقاده، وأخرجت المرأة من خبائها الموروث. ومع أن المرأة الفلسطينية أصابت قسطاً وافراً من التعليم في مدارس الإرساليات الأجنبية منذ القرن التاسع عشر، وظهر من بين صفوفها امرأة مبدعة من عيار مي زيادة (اللبنانية الأصول)، إلا أن الوضع العام للمرأة بقي أسير المجتمع التقليدي، الذي ما برح يعيد إنتاج ثقافة تعتبر "الزواج سترة"، و"دوِّر لبنتك قبل ما تدوِّر لإبنك". وساد نمط من الأمثال الشعبية من طراز "إن دشَّروا البنت عَ خاطرها يا بتاخذ طبال يا زمار"، أي إذا تركوا الرأي للبنت كي تختار زوجها فهي تختاره من أسفل المجتمع، ما يعني أنها فاقدة لأهلية الاختيار.
لكن هذه المرأة نفسها، وبالشروط التي أحكمت أطواقها عليها، لم تتوانَ عن المشاركة في ثورة 1929 (ثورة البراق). ومع أن دورها اقتصر على مساندة الثُوار، إلا أن مدينة القدس وحدها حضنت أربع شهيدات سقطن إبان هذه الثورة هن: عائشة أبو حسن، وعزيّة سلامة، وجميلة الأزعر، وتشاويق حسين. واشتهرت، من بين شهيدات ثورة 1936 فاطمة غزاوي.
كانت ثورات 1921 و1929 و1933 و1936 تمريناً للمرأة الفلسطينية على العمل السياسي والنضال الوطني. وفي خضم هذه الأحداث دشنت كاميليا السكاكيني، وزليخة الشهابي أوَّلَ جهد نسائي متضافر، وأسَّستا "الإتحاد النسائي العربي الفلسطيني" سنة 1921، الذي اندثر عام النكبة في سنة 1948، وأعـــيد إحيــاؤه فـي بيروت سنة 1950. واشتهرت آنذاك الأسماء التالية: طرب عبد الهادي، وساذج نصار، وماتيل مغنم، ووحيدة الخالدي، وملك الشوا. ثم ظهرت "جمعية السيدات العربيات" في سنة 1928، التي أسستها خديجة الحسيني، وطرب عبد الهادي، وزكية البديري، ووحيدة الخالدي، ونعمت العلمي. وفي 26/10/1929 عقد في فلسطين أول مؤتمر نسائي من نوعه.
حتى سنة 1948 لم تشارك المرأة الفلسطينية مشاركة فاعلة في الحركات السياسية، لأن الأحزاب نفسها لم تلتفت إلى المرأة بصورة جدية، ولم يكن في برامج هذه الأحزاب أي بنود تتحدث عن المرأة وخصوصية أوضاعها وتوقها إلى الاستقلال والتحرر. ونكاد لا نعثر على امرأة واحدة في الهيئات القيادية، أو الوسطية، للأحزاب والجمعيات السياسية الفلسطينية بين 1917 و 1948. لكن، في سنة 1948 بالتحديد، بدأت المرأة الفلسطينية، أمام الخطر الصهيوني الداهم، تخلع رداء الاستكانة، وتنطلق للدفاع عن وطنها؛ فأسست لولو عبد الهادي "جمعية التضامن النسائي"، ثم ظهر ما هو أخطر من هذه الجمعية، فتأسست منظمة نسوية سرية مهمتها نقل الأسلحة والطعام إلى الثوار. وكان اسم هذه المنظمة السرية "زهرة الأقحوان"، ومن بين عناصرها جهينة خورشيد، وعربية خورشيد.
قبيل الثورة
سقطت فلسطين في سنة 1948 في أيدي الصهيونية. وبسقوط فلسطين، وإعلان دافيد بن غوريون قيام دولة إسرائيل مساء 14/5/1948، انهار المجتمع الأهلي الفلسطيني برمته تقريباً، وتحول شعبٌ من الأعيان والتجار والفلاحين وصغار الكَسَبة إلى شعب من اللاجئين في المنافي. ووقعت على كاهل المرأة الفلسطينية أعباء هائلة، أكانت في إطار العائلة، أم في إطار الموطن الجديد، أي المخيم.
واجه الفلسطينيون جميعهم تقريباً شروط حياتهم القاسية في منافيهم البائسة. ولم يجدوا غير التعليم وسيلة للتغلب على الإحساس بفقدان الأرض. وانخرط الجميع، نساءً ورجالاً، في تهيئة السُبل لتعليم أبنائهم. فكان للتعليم الأثر الأكبر في دفع الفتاة الفلسطينية نحو رحلة إثبات الذات في مجتمع تقليدي. فالمجتمع الفلسطيني، في أماكن اللجوء، بقي مثلما كان في الأساس، ونقل الفلسطينيون معهم إلى مخيماتهم الجديدة جميع عناصر انقساماتهم القديمة وتحالفاتهم العائلية الموروثة، وطرائق عيشهم التقليدية. ومع أن المخيم كان له شأن مهم في الحفاظ على الهوية الوطنية للفلسطينيين، إلا أنه ظل عنصر كبح للمرأة، وحاجزاً أمام انطلاقتها وتوثبها، مع أنه سجلت أعلى معدلات بين الفتيات العربيات في نِسَب التعليم، تماماً مثلما صارت معدلات التعليم في الوسط الفلسطيني، منذ أواخر الستينات فصاعداً، تسجل أعلى الأرقام في العالم العربي. وفي هذه الأجواء جرى تأسيس "الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية" في القدس سنة 1965، وشرعت النساء الفلسطينيات في تأسيس الجمعيات واللجان أمثال "جمعية أصدقاء القدس"، و"لجنة النساء العربيات" و"جمعية الخامس من حزيران" و"جمعية إنعاش المخيم الفلسطيني"، التي أسستها هيكات الخوري كالان، وهي ابنة الرئيس اللبناني الأسبق بشارة الخوري، مع عدد من النساء اللبنانيات واللبنانيات من أصل فلسطيني، أمثال شرمين حنينة، وسلمى سلام، ومها الشلبي، وملك جبران، وسيرين الحسيني شهيد، وملك الحسيني عبد الرحيم، والرسامة جمانة الحسيني، ونبيلة برير.
انطلاقة الكفاح المسلح
في 1/1/1965 انطلقت الرصاصة الأولى، وأعلنت "قوات العاصفة" بدء الثورة المسلحة، وأطلقت في سماء فلسطين والعالم العربي وعودها الخلاّبة. ولم تتوانَ المرأة الفلسطينية البتة عن الالتحاق بهذه الثورة منذ البداية، واقتفت درب رجاء أبي عماشة، التي استشهدت في عمان سنة 1955 وهي تمزق علم بريطانيا. وفي الشهور اللاحقة لانطلاقة حركة "فتح" استشهدت شادية أبو غزالة، بينما كانت تعد متفجرة في تل أبيب في تشرين الثاني 1968، وكانت فاطمة برناوي اعتُقلت بعد أن فجرت قنبلة في سينما "صهيون" في القدس، في تشرين الثاني 1967، واعتقلت عبلة طه (شقيقة الشهيد علي طه) وهي تنقل كمية من المتفجرات. ثم كرّت سبحة الشهيدات: من منتهى حوراني، التي استشهدت في 15/11/1974، إلى دلال المغربي في سنة 1978، وصولاً إلى تغريد البطمة، التي استشهدت في 23/6/1980، ووفاء إدريس، وآيات الأخرس في سنة 2002. وعبر هذه المسيرة الطويلة، لمعت في مجال العمليات الخاصة (خطف الطائرات) بعض الفدائيات، أمثال أمينة دحبور، وسهيلة أندراوس، وليلى خالد، وتيريز هلسة. واشتهرت أسماء عديدة في العمل السري، مثل رشيدة عبيدو، ووداد القمري، وعائشة عودة، ونايفة قهوجي. كما برزت بعض الأسماء النسوية في حركة فتح، مثل انتصار الوزير، ومي صايغ، وجيهان الحلو، وخديجة أبو علي، علاوة على مناضلات من عيار عائشة عودة، ورسمية عودة، ومريم الشخشير، وريما طنوس... والقائمة تطول.
بين سنة 1967، ونهاية سنة 2007، اعتقلت سلطات الاحتلال الإسرائيلي عشرة آلاف امرأة. وبين 28/9/2000 (تاريخ الانتفاضة الثانية) و29/5/2007، استشهدت 163 امرأة فلسطينية. وبين سنة 2000 وسنة 2007، وضعت أكثر من سبعين امرأة على الحواجز الإسرائيلية، وقد توفي نحو 35 وليداً منهم (أنظر: تقرير المفوضية السامية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، 23/2/2007).
حررت الثورة الفلسطينية المرأة من قيود المخيم، وحَطمت بعضَ أغلالها القديمة، وتقدمت بالمجتمع الفلسطيني خطوات واسعة إلى الأمام. وراحت صورة العائلة المناضلة تطغى على صورة العائلة التقليدية، حيث الأب يعمل، والأم لا وظيفـــــة لها إلا رعاية المنزل المتواضع. ففي ظلال الثورة الفلسطينية، شبه العلمانية، اجتمع الأب والابن والابنة معاً، إما في القواعد المقاتلة، أو في المؤسسات الرديفة، وتحولت منظمة التحرير الفلسطينية، بأجهزتها المتعددة، إلى بيت للفلسطيني اللاجئ، وإلى موئل للباحث عن تطلع نحو مستقبل أكثر وعداً. ومع أن الإطار العام لمنظمة التحرير الفلسطينية وللمنظمات المقاتلة كان أكثر رحابة من المجتمع التقليدي، ومع أن المرأة شاركت، بقوة، في "الاتحاد العام للطلاب الفلسطينيين"، إلا أن "الاتحاد العام لعمال فلسطين" لم يضم في هيئته الإدارية أي امرأة، مع أن أعداد المرأة العاملة كانت لا تنفك تتزايد. واللافت أن اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية لم تضم أي امرأة. لكن، مع قيام السلطة الوطنية، بعد اتفاق أوسلو في سنة 1993، تولت امرأتان حقيبتين في إحدى الحكومات الفلسطينية هما: انتصار الوزير (أم جهاد)، التي كُلٍّفت بوزارة الشؤون الاجتماعية، وحنان عشراوي، التي باتت وزيرة للتربية. وعلى الرغم من ذلك كله، فإن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، على سبيل المثال، وهي منظمة يسارية علمانية، لم تكن نسبة المرأة فيها تتعدى 3%. ومهما يكن الأمر، فإن حركة المقاومة الفلسطينية التي أمدَّت النساء الفلسطينيات، ولا سيما نساء المخيمات، بالتعليم والعمل، ومهدت الطريق أمامهن للشروع في بدء رحلة الاستقلال الذاتي لهن، رجعت، بعد انتكاسة عام 1982، لتعيد النساء إلى منازلهن موقتاً. غير أن الانتفاضة الأولى في سنة 1987 والانتفاضة الثانية في سنة 2000، أعادت إلى المرأة بعضاً من بهائها.
قصارى القول، إن مسيرة المرأة الفلسطينية، خلال أكثر من ستين عاماً بعد النكبة، طرّزت العالم العربي بأسماء مهمة في الأدب والفن والنضال أمثال: تمام الأكحل شموط، جمانة الحسيني، جوليانا سيرافيم، كلثوم عودة، ليانة بدر، فدوى طوقان، سحر خليفة، راوية الشوا، ليلى شهيد، سميحة خليل، تودد عبد الهادي، يسرى جوهرية، سميرة عزام، سامية بكري، ساذج نصار، سلوى العمد، بيان نويهض الحوت، نازك سابا يارد، سلمى الخضراء الجيوسي، شهيرة أحمد، ليلى الأطرش، سلوى البنا، سلافة حجاوي، خيرية قاسمية، ليلى السايح، فيحاء عبد الهادي، للي كرنيك، روضة الفرخ الهدهد، سلوى السعيد، نهى سمارة، ليلى حمودة، نعمة خالد، مريم السعد، حزامة حبايب، مي صايغ، أسمى طوبي، سميرة أبو غزالة، دعد الكيالي، ليلى علوش، منى حاطوم، آن ماري جاسر، لينا الجيوسي، نتالي حنظل، أمينة قزق، هيام عباس، سامية حلبي، ليزا مجج، نيومي شهاب ناي، سعاد العامري، وغيرهن كثيرات جداً.



del.icio.us
Digg
التعليقات (0 مرسل):
أضف تعليقك