صور «عشتار» في مرايا العراق المشروخة
محمد مظلوم*
*شاعر وناقد.
«أنا الأولُ، وأنا الآخِرُ.
أنا البغيُّ، وأنا القديسة.
أنا الزوجة، وأنا العذراء.
أنا الأمُّ، وأنا الابنة.
أنا العاقر، وكُثُرٌ هُم أبنائي
أنا في عرسٍ كبيرٍ وَلَم أتَّخذْ بَعلاً
أنا القابلةُ ولَم أنجِبْ أحدًا
وأنا سلوى أتعابِ حَملي
أنا العروس وأنا العريس
وزوجي مَن أنجَبَنِي
أنا أمُّ أبي، وأختُ زوجي
وهو نَسلِي»
لعلَّ هذا المقطع الذي استهل به فراس السواح كتابه (لغز عشتار ـ الألوهة المؤنثة وأصل الدين والأسطورة)، والذي ورد على لسان أحد الغنوصيين الأقباط في النص الذي نشره عالِم القبطيات الأميركي جيمس روبنسون، هو الذي دفع السواح إلى إطلاق عنوان «لغز عشتار» على كتابه الذي يبحث في النماذج البدئية للتجمعات الإنسانية المبكرة، وطقوسها الدينية.
ومع أن هذا النص كتبه أحد الغنوصيين المصريين في القرن الرابع الميلادي عن لسان عشتار، وتم اكتشافه في إحدى مخطوطات منطقة «نجع حمادي» في صعيد مصر، منتصف الأربعينيات من القرن الماضي، إلا أنه يجسد بوضوح الصورة القلقة لشخصية عشتار في تحولاتها الداخلية، وكسر أية صورة نمطية ثابتة لها.
على أن السوَّاح لم يكتف بدراسة التجليات المتعددة لصورة عشتار في الثقافة البابلية، أو مجمل ثقافات وادي الرافدين في العراق وسوريا، وإنما حاول تقصي امتدادات ذلك النموذج، وتجلياته في الثقافات الأخرى المتجاورة والمتحاورة، وحتى تلك البعيدة نسبياً عن المنطقة زمانياً ومكانياً، ليصل إلى تحليل التشابه الفني بين تمثال الحرية في نيويورك، وبين نموذج عشتار في الثقافات الرافدينية.
لكن الأمر لا يقف عند هذه الحدود، ولا يبدأ منها. لقد كانت عشتار، في مجمل الدراسات الحديثة التي تناولت تاريخ بلاد النهرين، تشكل قاسماً مشتركاً، في النصوص والوقائع المهيمنة على مسار ذلك التاريخ، ففي كتابه «عشتار ومأساة تموز» الصادر في طبعته الأولى في بغداد عام 1973، يناقش الدكتور فاضل عبد الواحد، جانباً من السلوك المدنَّس لتلك الآلهة، كما تتجلى فيها صورة عشتار في ملحمة جلجامش، في واحدة من تجلياتها المتعددة، فهي لدى الأقوام السامية معروفة باسم مقارب، وهي عشتار لدى البابليين، وعشتروت لدى الفينيقيين، وهي «أنانا» لدى الأقوام التي ليس ثمة قطع نهائي بساميَّتِها. كما ترد في ملحمة جلجامش بكثافة رمزها السومري، وهو الذي دفع الدكتور عبد الواحد، الذي ربط بين عشتار ـ إنانا ومدينة الوركاء في الحضارة السومرية، إلى تفسير سلوك جلجامش المشين، وشتمه لها بأقذع الألفاظ، إلى أنَّ ثمة سلطة أرضية يمثلها جلجامش كان لديها اعتراضات لا تخفى على سلوكيات الآلهة، وجانب من طقوسها، خاصة في مجال البغاء المقدس.
تظهر عشتار إذن، في كل الحضارات، تنشر الخصب، وترسل عواصف المتعة، تُسقط الممالكَ والملوك، لكنها تنهض باسم جديد، وبكثافة رمزية مضاعفة. من هنا كانت هي اللغز، الذي سماه فراس سواح «لغز عشتار»، وكانت هي اللعنة التي سمّى الدكتور طه باقر بها أحد أجزاء تاريخه: «لعنة عشتار».. وهي هنا ليست مجرد لعنة المرأة، في سياق التنافس الجنساني الذكوري الأنثوي في الحضارات القديمة، كما يذهب الباحثون الجدد في مجال المقاربات الجنسانية المباشرة، وإنما هي تلك اللعنة الغامضة التي تصيب صميم الحضارات، من خلال تمظهرات متباينة، وأنماط سلوكية متناقضة، ففي ملحمة جلجامش نجد هذا التمظهر اللعين:
«ما أنتِ إلا المَوقد سُرعانَ ما تَخمد نارُه في البَرد
أنتِ بابٌ لا ينفع في صدِّ ريح عاصفة.
أنتِ قصرٌ يتحطَّم في داخلهِ الأبطال.
أنتِ بئرٌ تبتلع غطاءها،
أنت حفنةُ قيرٍٍ تلوِّثُ حاملَها.
أنت قربةُ ماء تبلِّل صاحبَها.
أنتِ حذاءٌ تقرصُ قدمَ مُنتعلها»
لكنها في أسطورة الملك الأكدي سرجون تتخذ تموضعاً رمزياً آخر، فبفضلها صار سرجون «ملك الجهات الأربع»، وأوحى إلى ابنته أينخدوانا، أقدم شاعرة معروفة في العالم، إلى تقديم أشعارها، كصلوات محبة، وشعائر ولاء للإلهة إنانا ـ عشتار.
وفي مقاربة للنموذج البدئي الأول لهذه الصور المتناقضة لعشتار، في مرايا عراق ما بعد الاحتلال، وما قبله بقليل، ثمة نماذج تجسد هذا الشرخ الواسع، والمسافات المشوشة لصورتها في تلك المرايا. خاصة في ما يتعلق برحلتها الملتبسة إلى العالم السفلي.
فخلال حقبة الدكتاتورية، كانت فضاءات العالم السفلي تتخذ أشكالاً شتى في الترميز، وكانت طقوس عشتار تتخذ هي الأخرى فضاءاتها الجديد. ثمة السجون، والمقابر، والمنافي، مناخات حيوية لطقوس ذلك العالم القاسي.
في كتابه (مقدمة في أدب العراق القديم ـ منشورات كلية الآداب جامعة بغداد ـ 1976)، وفي واحدة من تفسيراته لأسباب نزول عشتار إلى العالم السفلي، يشير الدكتور طه باقر إلى ما ورد على لسانها عند استجوابها عند البوابات «إنها نزلت لتشارك بشعائر الدفن الخاصة بزوج الآلهة..»، كما تؤكد ذلك الرواية السومرية، الأقدم زمنياً، والأكثر تفصيلاً من الرواية البابلية،.. وفي مقابر عراق الثمانينيات، كانت عشتار سيدة تلك الشعائر، والباحثة هناك عن زوجها، وعن ابنها وأبيها وأخيها، تكثر من الزيارة للمقابر، حتى كانت ثمة من تجعلها مكان إقامتها أكثر من البيت، «فهي البيت الذي لا يستطيع تركه مَن دَخله»، كما يرد في نص الأسطورة.. بل إن مقابر النجف، شهدت خلال سنوات الحروب، تشييدَ بيوتٍ صغيرة تضمُّ ضريح الضحية، وكاملَ أغراضه، من صورٍ وملابس وبقية الذكريات، وكانت «الأم » غالباً تقيم مع ابنها في دار الأبدية تلك، أكثر مما تقيم في دار الزوجية.
لم يتوقف بحث عشتار عن تموزها المدفون في مقابر وادي السلام في النجف، ومقابر الغزالي في بغداد، وسواهما. كانت جبهات القتال طبقة أخرى في العالم السفلي لا تنفك عن زيارتها بحثاً عن «تموزها المفقود»، إبناً، أو زوجاً، أو أباً، أو أخاً، وكان المحارب يترك الحقل ليذهب إلى جفاف بعيد، وكانت مواسم الخصب والنماء تتحول مع رحلة عشتار تلك، إلى قحطٍ ومَوَات يطيح بكل شيء. وسعياً لتلافي هذا القحط كي لا يتحول إلى عُقْر، اتخذت السلطات خلال الثمانينيات إجراءً غريباً، حيث كانت فرق صحية تابعة لوزارة الصحة تقوم بحملة لحقن الفتيات في المدارس الثانوية بجرعات خاصة، كانت تزيد خصوبة الفتاة استعداداً للزواج، وكانت من نتيجة ذلك كثرة حمل التوائم في عراق الثمانينيات بشكل لافت، تعويضاً عن أولئك الرجال الذين كانوا يسقطون في جبهات القتال، وتذهب خصوبتهم إلى عالم سفلي بعيد حقاً.
وخلال سنوات الحصار على العراق التي أعقبت حرب الثماني سنوات مع إيران وحرب الكويت، مثَّل المنفى طبقة جديدة من طبقات العالم السفلي، ذي المرايا المتعددة، «حيث يرتدي الناس فيه أجنحة كالطيور» و«حيث الطريق الذي لا رجعة منه» وبينما تذكر الأسطورة أن «عشتار» كانت تتخلى عن تاجها وثيابها وحليها عند كل باب من أبواب العالم السفلي السبعة، فإن عشتار المنفية المعاصرة كانت تبيع في ساحات المدن العربية المجاورة وشوارعها، أو فنادقها الحديثة، ليس حليها، أو تاجها، وثيابها، بالمعنى المباشر، ولكن بما يجسد فكرة البيع بالبعد الرمزي المعاصر لمعنى التخلي عن العفِّة وبيع الشرف لأجل اجتياز بوابات جديدة في المنفى. ولكنه هنا لم يكن بغاء مقدساً، وإنما هو من نوع ذلك النوع من البغاء الذي شتمها لأجله جلجامش، ورفض عرضها له بالزواج منها:
«فأيّ من عشّاقك أحببتِ إلى الأبد؟
وأي من رعاتك مَن طاب لك على الدوام؟
تعالي أسمّي لك عشّاقك…
.......
فإذا ما أحببتني فإنك ستجعليني مثلهم».
* * *
في التاسع من نيسان عام 2003، سقطت بغداد بيد القوات الأميركية، وعندما هوى تمثال الديكتاتور في ساحة الفردوس، ولم يبق لجسده فردوس على الأرض يلوذ به، ولا مساحة للخصب التموزي يتذرَّع بها، نزل الديكتاتور في حفرة حل فيها في عالم بديل، عالم سفلي خاص به وحده، بينما أصبحت البلاد كلها عالماً سفلياً لبقية العراقيين، يخوضون فيه بحثاً عن أحباء مدفونين وغائبين يعودون، ومعتقلين يصبحون طليقي السراح، وكانت «عشتار» تظهر في هذا العالم بصور مكثفة بدلالات شتى، على هذا المسرح الجديد.
نماذج شتى مزدحمة ومتناقضة وصريحة التعبير عن الوجوه المتعددة لعشتار تظهر في مرايا العراق المشروخة بفعل هذا الزلزال الكبير في وادي النهرين، نماذج تجسد حضور الأسطورة وامتداداتها، وتعيد ترسيخ كثافة اللغز، وحجم اللعنة، وأدوار المأساة المتجددة.
كان الحضور المبكر لجانب من هذه النماذج، قبل التاسع من نيسان بقليل، وتحديداً في السابع منه، حيث ظهرت على شاشة التلفزيون العراقي امرأتان هما «نوشة الشمري»، و«وداد الدليمي»، لتعلنا أنهما ستنفذان أول عمليتين انتحاريتين ضد القوات الأميركية في العراق. لقد كان رمز الخصوبة والنماء حاضراً في تلك العملية، فتذرعت عشتار العابرة بالسيارة التي كانت تستقلها بأن ثمة سيدة حامل يجب أن تمر من الحاجز الأميركي لتصل إلى المستشفى، لكنها فجَّرت نفسها عند الحاجز/ البوابة، وصحبت معها خمسة عشر جندياً أميركياً من حراسها إلى العالم الذي لا رجعة منه:
«ياحارس.. افتحِ البوابة
افتح البوابة لأدخل!
إن لم تفتح البابَ وتمكنني من الدخول
سوف أحطم الباب.. سوف أقتلع المزلاج
سوف أقتل الحراس.. سوف أفتح جميع الأبواب
سوف أسمح للأموات بالعبور وأكلِ الأحياء
ليطغى عدد الموتى على عدد الأحياء»
تحضر دلالة حوار عشتار في طريقها لأختها أريشكجال، في متن هذه الواقعة، مثلما تحضر تناقضات الخصب والموات الشامل. لقد كان تفجير المرأتين لنفسيهما ينطوي على فصل مأساوي قادم في تاريخ العراق، فعشتار أعلنت انتحارها، بينما وقف الغزاة على البوابات.. كما ويفصح عن نموذج بدئي لنهج العمليات الانتحارية في بغداد، تستهله عشتار، في عالم سفلي جديد، مثلما يعبِّر عن هزيمة عالم العنف القديم في بلاد الرافدين، وصعود دنيا الطوائف والملل والنحل، وما أفرزه من نشوء عنفٍ مركَّب لا هوية له، تماماً كصورة عشتار المتشظية في المرايا المتعددة.
في هذا العالم الجديد، عالم ما بعد التاسع من نيسان في بلاد النهرين، ثمة بعد أسطوري قديم لهذا الشهر من التاريخ، فهو في المدونات البابلية والآشورية القديمة، يمثل بداية السنة البابلية ـ الآشورية الجديد، وفيه تم الزواج المقدس بين عشتار وتموز، ولا يزال الكلدان/ الآشوريون يحتفلون بعيد «أكيتو» في الأول من نيسان في كل عام، الذي يعني عيد جزِّ الصوف، وبداية الربيع، وليس في الأول من كانون الثاني من كل عام.
على أن الباحثين في مجال الحضارات الرافدينية يؤكدون أن عيد «أكيتو» عُرِف في الأصل أيام السومرييين، وانتقل منهم إلى الأكاديين، وهكذا ورثه البابليون والكلدانيون والآشوريون، وصار عيداً وطنياً له صبغة سياسية وإثنية، خاصة في العراق المعاصر.
لقد أصبح نيسان، بل تحوَّل، من رمز للبدايات والزواجات المقدسة في العراق القديم، إلى مسرح وتوقيت جديدين تتحرك فيه عشتار المعاصرة، بين رموز إثنية وطائفية متعددة، وتبحث عن هويتها وصورتها، ناهيك عن بحثها القديم عن تموزها، في هذا العالم الجديد ذي الطبقات الملتبسة.
أوجدتْ صيغةُ مجلس الحكم، التي ولدت مع الاحتلال الأميركي للعراق، مقاربة جديدة لوجود «عشتار» في هذه المعمعة الذكورية الطاحنة. وعلى مرايا البوابات الطائفية والإثنية، صار لزاماً على الطوائف والملل المتعددة أن تعيد تأهيل «عشتارها» بنسبة محددة في هذه الصيغة، ولم يعد جلجامش وحده البطل، وليس لهجائه لعشتار من تأثير في هذه الصيغة، فقد مات أنكيدو مرات عدة في حروب شتى.
ثلاث نساء اختارهن «بول بريمر الثالث»، رئيس ما عرف «بسلطة الائتلاف الموحدة»، عضوات في مجلس الحكم الذي تشكل في شهر تموز من عام 2003، من خمسة وعشرين شخصية عراقية، من مختلف الطوائف والأحزاب والأقليات. كانت الفترة بين التاسع من نيسان والثاني عشر من تموز 2003، موعد إعلان أسماء أعضاء مجلس الحكم، تمثل فترة زمنية ذات دلالة أخرى في موسم الطقوس العراقية المتصلة بذاكرة جمعية بعيدة الجذور، ولم تتولَّ أية عشتار جديدة سلطة عليا في رئاسة المجلس الدورية الشهرية التي استمرت لاثنتي عشرة دورة، فيما كانت دورة القمر تمر على «عشتار» في مجلس الحكم، وهي تجسد في حضورها وغيابها أيقونة طائفية، ليس إلا.
عقيلة الهاشمي، ورجاء حبيب الخزاعي، و«صون كول جابوك»، كنَّ الأيقونات الثلاث لطائفة واحدة، وأعراق شتى، تماماً كصورة عشتار التي يرسمها لنا طه باقر، حيث يشير إلى اكتساب عشتار نعوتاً وإضافاتٍ جديدة، تبعاً لأمكنة تمركز الحضارات، وطبيعتها الزراعية، أو الحربية، في وادي الرافدين، فهناك عشتار ـ أربائيلو أي «عشتار ـ أربيل»، تمييزاً لها عن عشتار نينوى المحاربة، وعشتار أكاد الراعية للملك.
كانت عقيلة الهاشمي أبرز عشتارات مجلس الحكم، ذلك أنها عبرت من بوابة العالم القديم، إلى بوابة عالم ما بعد التاسع من نيسان، دون أن تخسر كثيراً من مقتنياتها، لكنها خسرت في النهاية حياتها لتذهب إلى العالم السفلي.
عقيلة الهاشمي عشتار العابرة من مرايا تموز إلى أعياد نيسان والحاصلة على الدكتوراه في الأدب الفرنسي من جامعة السوربون، والمحسوبة على «الكوتا الشيعية» في نظام المحاصصة بمجلس الحكم، كانت واحدة من تلميذات الديبلوماسي الكلداني «ميخائيل يوحنا»، وهو الاسم الذي ولد به قبل أن يصبح اسمه عند انضمامه للمشروع القومي العروبي: طارق عزيز، وعملت معه في وزارة الخارجية التي تولى مسؤوليتها خلال أوائل الثمانينيات.
لكن ما تبقى من حراس المشروع القومي لم يغفروا لـ «عشتار الهاشمي» هذا العبور، أو بالأحرى التسلل الغريب، من بوابات العالم الجديد، وبعد شهرين من عبورها الآمن، أطاحوا بجسدها المدجج بأوشحة العبور، في شوارع بغداد، واغتيلت في سبتمبر 2003.
ولما كانت الهاشمي تنحدر من أسرة نجفية شيعية عمل بعضها في مجال الفقه، وتحقيق كتب طقوس التشيع، كان لا بدَّ لعشتار البديلة أن تتصف بمواصفات تقربها من نموذج عشتار المقتولة في شوارع بغداد. «هبطت عشتار إلى العالم السفلي.. ولم ترجع بعد».
وفي منافسات ترشيح البديلة، وقفت أمام البوابة سيِّدتان شيعيتان في منتصف العمر هما: صفية السهيل، وسلامة الخفاجي: الأولى سافرة متبرِّجة، والثانية محجبة، وترتدي العباءة على الطريقة العراقية.
لصفية السهيل قصة عشتارية بنكهة متداخلة، ذات طقوس نيسانية خاصة قبل أن تخرج إلى عالم ما بعد التاسع من نيسان عام 2003، فهي عشتار المنفى بأرومة فينيقية، أمها لبنانية، ووالدها الشيخ طالب السهيل، شيخ قبائل التميم في العراق، الذي اغتيل في بيروت في نيسان عام 1994 من قبل أعضاء عاملين في المخابرات العراقية التجأوا بعد تنفيذ العملية إلى السفارة العراقية في بيروت. وكان مقتل والدها، وما رافقه من ضجة بعد قطع العلاقات الديبلوماسية بين عراق صدام حسين ولبنان، واحداً من الأسباب التي دفعتها بقوة نحو عالم السياسة، لكنها ليست بيناظير، أو بلا نظير، ولم يكن، الشيخ طالب السهيل، يمتلك من مواصفات «بوتو» شيئاً، فهو فاشلٌ ممتاز في تدبير الانقلابات، منذ أيام حكم عبد الكريم قاسم، مع أن مقتله أورث ابنته دوراً سياسياً من بين سبع بنات أنجبهن من زوجته اللبنانية، ورغم أن ابنته «الشيخة العربية» حاولت أن ترث هذا الدور، ومضت لتؤسس تاريخها الخاص، في طرق متشعبة، بعد مقتل والدها، عندما انضمت إلى حركة الوفاق، ومن ثم للقائمة العراقية، اللتين أسسهما وترأسهما إياد علاوي، ذو الجذور البعثية، وتزوجت من سياسي كردي هو بختيار محمد أمين، وزير حقوق الإنسان في حكومة إياد علاوي.
مثلت صفية السهيل من حيث التحدُّر والإقامة، والأرومة والمصاهرة، وتشعب الولاء، صورة تقريبية لخلاصة التناقض، وخميرة اللغز. فهي «عشتار ـ عشتروت» المهجنة بأمٍّ فينيقية، ولهجة ليست بغدادية مفخمة، وإنما ترخِّمها لكنةٌ لبنانية، نتيجة إقامتها المديدة في بيروت، واختلاطها بأخوالها هناك.
وبإزاء «الشيخة العربية» العلمانية غير المحجبة المدعومة من أصهارها الأكراد، والحاصلة على ثناء الرئيس الأميركي جورج بوش أمام الكونغرس الأميركي، ترشحت «عشتار» أخرى، كربلائية، تعمل طبيبة أسنان، ترتدي الزيَّ الإسلامي على الطريقة العراقية، وعند البوابة الجديدة، وقفت عشتار الإسلامية بكامل أرديتها عابرةً بوابات الحزن الكربلائي العتيد، في مقابل «عشتروت» العائدة من رحلة المنفى وبوابتها المتعددة.
انتصرت عشتار الداخل، على عشتار المنفى بفارق صوت واحد ليس إلا.. ودخلت بوابة مجلس الحكم، دون أن يجردها الحراس المعمَّمون المتختمون هذه المرة، وإنما باركوها بأصواتهم وأدعيتهم وطقوسهم. تماماً كتلك القصيدة التي كتبتها أينخيدوانا في وصف إنانا السومرية:
«عندما ترتدين جلابيب الآلهة
الآلهة القديمة جداً
سيغنّي ذوو الشعور السوداء
سيمدحونك بأغنية»
ومع هذا كله، وجدت «عشتار الداخل» نفسها بعد برهة من الزمن، مع «عشتار المنفى» في العالم السفلي ذاته، بعد أن اجتازتا معاً بوابة البرلمان هذه المرة، إثر حل مجلس الحكم، وإجراء أول انتخابات برلمانية، وجدتا نفسيهما في عالم واحد:
«إريشكجال:
"انتبهي.. أختكِ عشتار تنتظر عند البوابة..
هي التي تدير الاحتفالات الكبيرة.»
وإذا كانت صفية السهيل فقدت أباها في إحدى محطات رحلتها في نيسان عام 1994، فإن قرينتها ومنافستها «سلامة» لم يستمر عبورها بسلام رغم اسمها! إنها «عشتار» التي تخاطر بحياتها في عالم القسوة، فاعترضها الحراس نحو ذلك العالم، وفقدت ابنها البكر، في محاولة الاغتيال التي تعرضت لها على طريق الموت في منطقة اليوسفية بين بغداد والنجف، وتعرضت للاغتيال ثانية في أقل من سنة، وضربت رقماً قياسياً في مواجهة العالم السفلي المتنقل في العراق، في المعارك التي خاضتها قوات جيش المهدي، حيث اعتصمت مع المقاتلين، في مدينة الصدر/ الثورة، وذهبت إلى النجف في ذروة المعارك الطاحنة، بين القوات الأميركية، ومقاتلي التيار الصدري القريبة منهم سياسياً وطائفياً.
هذه النماذج المشدودة بشهوة عشتار القديمة، نحو العالم السفلي، تقابلها نماذج أخرى تجهد، بحيل أخرى لعشتار لا تنقصها الإبداع، ولا الأساطير، ولا الإغواء، في العودة المعكوسة من هذا العالم الأسود، نحو آخر أكثر ضوءاً.
وإذا كانت أوهام أسلحة الدمار الشامل قد بدأت بالتبدد، في كهوف العالم السفلي الذي صار مكشوفاً في عراق ما بعد نيسان 2003، فإن البحث عن أسطورة جديدة سيكون مفيداً للمحافظين الجدد وهم يهيجون اللعنات القديمة. فكانت «جمانة ميخائيل حنا» صورة نموذجية لتلك اللعنة.
قَدَّمت هذه «الجمانة» أيقونةً ساحرة في رواية مذهلة، لكنها ملفقة! عن عالم سفلي مفترض عاشته في عراق التسعينيات.. وتمكنت بمخيلة خصبة ودموع أكثر خصوبة، وقدرة لافتة على سرد نص مركب في المكابدات والنزول إلى العالم السفلي، أن تجعل من قبعة العم سام تهتز، وأن تحصل بروايتها تلك على اللجوء الإنساني إلى الولايات المتحدة.
ادَّعت عشتار البغدادية الآشورية هذه المرة أنها عُذبت وسجنت واغتصبت في أقبية اللجنة الأولمبية العراقية، وأن زوجها ذا الأصول الهندية!، وبطل قصة الحب بين حضارات الشرق قد أُعدم، وسُلمت جثته لها عند باب المعتقل، ودفنته هناك.
من بوابة السجن، حيث خلقت أجواء سوداء لعالم السفلي قالت إنها رأته، طارت «جمانة» نحو سماء سابعة، أيقونة إنسانية من بلاد الشرق إلى عالم جديد، هي وأمها، وولداها، لتدخل بوابة العالم الآخر، بكامل لمعانها:
«ذهب الحارس ليفتح البوابة لها
"ادخلي ياسيدتي.. عسى «كوثا» أن تسرَّ بكِ
وقصر أرض اللا عودة يفرح بوجودكِ»
لقد كانت «جمانة ميخائيل» ذريعة لتسويق غزو العراق، حينما بدا أن ذريعة أسلحة الدمار الشامل بدأت تتهاوى. فقد نشرت جريدة «الواشنطن بوست»، في 21 تموز عام 2003، قصتها الملفقة تلك، واتخذها نائب وزير الدفاع في إدارة بوش آنذاك، بول ولفوفتز، حجة مثالية لدى تقديمه شهادةً أمام لجنة العلاقات الخارجية الكونغرس، بعد أسبوع من نشر القصة الملفقة، ليقنع المشككين بأن غزو العراق مع قصة مثل قصة «عشتار في الواشنطن بوست»، كان تصرفاً صحيحاً، حتى وإن لم يجدوا أسلحة الدمار الشامل.
مجلة أميركية أخرى، استهوتها هذه القصة التراجيدية من بلاد السجون، فأرسلت إحدى محرراتها لتأليف كتاب عن الجمانة الآشورية، زوجة الهندي القتيل!! وهنا بدأت خيوط العالم السفلي الذي نسجته عشتار المزيفة بالانهيار. وبهت لمعانُ تلك الأيقونة المزيفة.
فادعاءاتها وخداعها لأميركا ذهبا بها مذهباً بعيداً لحبك خيوط أخرى تجميلية لسيرتها، فادعت أمام الصحفيّة الشابة أنها خريجة جامعة «أوكسفورد»، بينما لم تكن تجيد الإنكليزية إلا لماماً.. وهنا بدأت رحلة عكسية في قصة «جمانة» كشفتها تلك الصحفيّة التي أوقفت قلمها عن المضي في تأليف الكتاب، وذهبت إلى بغداد، إلى الحي الأشوري في الكرَّادة، لتكشف ميدانياً عن أوهام العالم السفلي الذي صاغته عشتار المعاصرة في بلاد النهرين، وأقنعت به سيدة تمثال الحرية على شواطئ نيويورك.
في بغداد، العالم السفلي القديم لجمانة، اكتشفت الصحفيّة أن «عشتار» كانت بغيّاً غير مقدَّسة، وأن تموزها الهندي لا يزال حياً وطليقاً، وما هو بهنديٍّ، ولكن شُبِّه لهم!!، وإنها سجنت حقاً، ولكن فقط لأسباب تتعلق بأقدم المهن في التاريخ. اعتذرت «الواشنطن بوست» لقرائها، بعد عام من نصف، وتبرأت من « لعنة عشتار»، لكن «بول ولفوفتز» لم يعتذر لأحد..
قصة جمانة، برَّزتها عشتار مهاجرة أخرى، هي «رند رحيم فرانكي»، أول قائمة بأعمال السفارة العراقية في واشنطن بعد التاسع من نيسان، وروَّجت لها من خلال «مؤسسة العراق» التي أنشأتها بعد حرب الخليج الثانية عام 1991.
وتجسد «رند رحيم» نموذجاً جيداً لازدواجية الولاء لدى عراقيات ما بعد التاسع من نيسان... وتحيي جانباً من المرايا المتناقضة لوجوه عشتار المتعددة والمتشظية عبر مراحل نشوء الأمم وانهيارها في وادي الرافدين.
فرند المواطنة الأميركية منذ ثلاثة عقود، والعراقية المولد منذ أكثر من نصف قرن.. شيعية الأب، سنيَّة الأم، زوجة لمواطن أميركي حملت اسمه فأصبحت «رند رحيم فرانكي»، حاصلة على الماجستير في اللغة الإنجليزية من جامعتي كامبردج، والفرنسية من جامعة السوربون، وعملت فترة في مجال المصارف وتجارة العملات في دول الخليج العربي. كانت إلى جانب كنعان مكية وآخرين من النخبة العراقية التي شجعت على إسقاط نظام صدام بالغزو العسكري.. لكنها بقيت في واشنطن مع زوجها وأسرتها، وتركت العالم السفلي في بغداد لعشتارات بلا أزواج أميركيين.
آخر صور عشتار الجديدة، والتي تصلح لرسم خطوط أخرى في بانوراما تلك الشخصية القلقة في تحولاتها، تلخصها «وداد فرنسيس». ولكن من هي هذه العشتار الغامضة؟
هل تذكرون خطبة بريمر الأخيرة قبل مغادرته العراق؟
كان اللافت فيها استشهاده بواحدة ابن زريق البغدادي، عن قمر الكرخ ووداع بغداد.. واللافت أكثر تركيزه على هذه الأبيات من عينية ابن زريق:
أستودعُ اللهَ في بغدادَ لِي قَمَراً بِالكَرْخِ مِن فَلكِ الأزرارِ مَطلعُهُ
ودَّعتُهُ وبودِّي لو يودِّعُني صَفوُ الحياةِ وأنَّي لا أودِّعُهُ
وكم تشفَّعَ بي ألاّ أُفارقهُ وللضروراتِ حالٌ لا تُشفِّعُهُ
وكم تشبَّثَ بي يَومَ الرَّحيلِ ضُحى وأدمُعي مُستهلاتٌ وأدمعُهُ
يومها كتبتُ متسائلاً عما إذا ثمة عشق بغدادي لبريمر تركه في بغداد، واستعان بقصيدة ابن زريق لتوديعه، فيما لم يودع المُلك الذي فارقه كذلك، بانتهاء سلطته الفعلية في العراق. كان ذلك قبل صدور كتابه (عامي في العراق)، وقبل أربع سنوات من صدور كتاب لصحفي عراقي عمل في المنطقة الخضراء، وكتب روايته عن بريمر استناداً إلى معلومات «وداد فرانسيس».. لقد كان استنتاجي قائماً على تحليل لدوافع استشهاد بريمر الثالث بقصيدة ابن زريق الوحيدة، كان استنتاجاً لعشق من قصيدة، وليس معايشة ميدانية في المنطقة الخضراء.
ولكن لنتساءل ثانية: من هي هذه العشتار التي أوحت لبريمر بقصيدة من أصحاب الواحدة، وأوحت لصحفي مغمور عمل مراسلاً في المنطقة الخضراء بكتابة كتاب يرد فيه على كتاب بريمر؟
هي واحدة من نساء البوابات القديمة، حسناء آشورية عملت موظفة تشريفات في أحد قصور صدام، واستبقاها بريمر الذي سكن ذلك القصر، لكنه دفعها نحو مناطق أخرى داخل أروقة القصر، ولم يتركها عند تلك البوابات القديمة. أكثر من ذلك اكتسبت اسماً حركياً جديداً، كما تكتسب عشتار اسماً جديداً في تنقلاتها عبر العهود، وصارت تعرف باسم المستشارة «بيتي».
ولنتساءل مع السياب «هل كان حباً؟» بين الأميركي المتزوج، والحسناء الآشورية العاملة في قصور صدام؟
لم تعد «وداد فرنسيس» ذات دور بعد رحيل بريمر، وسرت شائعات حول التحاقها به، وفي كل الأحوال اختفت في عالم غامض، بعد ان عبرت البوابات في زمنين متناقضين.
لكن أين تموز في كل هذا البحث المضني لعشتارات ما بعد التاسع من نيسان؟ هل هو في العالم السفلي حقاً، ومن دفعه إلى هناك؟ بل لنعدِ التساؤلَ حول الأسطورة نفسها، فهل نزلت عشتار القديمة إلى العالم السفلي بحثاً عن تموز حقاً؟ أم أرادت من رحلتها تلك أن تصبح ملكة على ذلك العالم وتتسيده؟ هنا لا بد من التنويه إلى أن الدكتور طه باقر يشكك أصلاً في ما ذهب إليه الباحثون من أن نزول عشتار إلى العالم السفلي كان بقصد البحث عن زوجها تموز واستعادته إلى عالم الحياة، بل إن تموز حلَّ في العالم السفلي بعد نزول عشتار إليه، ليكون بديلاً عنها في ذلك العالم، لأنَّ من ينزل تلك العوالم لا يمكن أن يغادرها إلا ببديل، وكان تموز هو البديل الفادي، أما البديل الذي كان يتناوب على الحلول محل تموز، في نصف الثاني من كل عام، فكانت أخته وليست عشتار زوجته!
إذن، هل كانت عشتار تبحث عن تموزها، الزوج. أم عن تمُّوزها الرمز ـ الخصب، والسلطة، والانبعاث في العالم السفلي..؟
«في اليوم الذي يصعد تمّوز فيه
عندما يصعد محضراً مزمار اللازورد وخاتم الماس
عندما يأتي معه الرجال النائحون والنساء النائحات
عندها.. عسى الميت أن يحيا ويشمَّ العَبَق»



del.icio.us
Digg
التعليقات (0 مرسل):
أضف تعليقك