مرايا
إدواردو غاليانو*
* كاتب من الأروغواي.
ترجمة: صالح علماني**
** من أبرز مترجمي الأدب الإسباني إلى العربية.
يعرض علينا إدواردو غاليانو (الأروغواي)، في كتابه الجديد (مرايا، ما يشبه تاريخاً للكون)، رحلة عبر ماضي البشرية شبه المنسي، ويتوقف بنا في محطات يغفلها التاريخ العالمي الرسمي. يحدثنا عن مآثر نساء، وزنوج، ومنسيين آخرين، وعن جميع من تعرضوا للإساءة والإهانة والإبادة على امتداد العصور. إنها قراءة تدعونا إلى التأمل، وإلى التعرف على صورة جديدة للتاريخ المعروف، مع ما تتضمنه هذه الصورة من قسوة تراجيدية.
تأسيس الكتابة
عندما لم يكن العراق قد صار عراقاً بعد، ولدت هناك أولى الكلمات المكتوبة.
تبدو مثل آثار طيور. رسمتها أيدٍ بارعة، بقصبات مدببة، على الطين.
النار التي شوت الطين حفظتها. النار التي تقتل وتنقذ، تقتل وتمنح الحياة: مثل الآلهة، مثلنا. بفضل النار مازالت ألواح الطين تروي لنا، حتى الآن، ما رُوي قبل آلاف السنين في تلك الأراضي التي بين نهرين.
في أزمنتنا أطلق جورج دبليو بوش بصفاقة سعيدة، ربما لقناعته بأن الكتابة قد اختُرعت في تكساس، حربَ إبادة ضد العراق. وكان هناك آلاف وآلاف الضحايا، ولم يكونوا أناساً من لحم وعظم فقط. بل جرى اغتيال الكثير من الذاكرة أيضاً.
الكثير من ألواح الطين، التاريخ الحي، سُرقت أو دُمرت في أعمال القصف.
وكان أحد تلك الألواح يقول:
نحن غبار وعدم.
كل ما نفعله ليس إلا غبار.
من طين نحن
كان العالم، حسب اعتقاد السومريين القدماء، أرضاً بين نهرين، وبين سمائين أيضاً.
في السماء العليا، يعيش الآلهة الذين يأمرون.
في السماء السفلى، الآلهة الذين يشتغلون.
وظل الأمر على تلك الحال إلى أن ملَّ الآلهة الذين في الأسفل من العيش وهم يشتغلون، واندلع أول إضراب في التاريخ الكوني.
حدث هلع. ولكي لا يموتوا من الجوع، قيَّد آلهة الأعلى النساءَ والرجال بالطين وجعلوهم يشتغلون من أجلهم.
النساء والرجال ولدوا من ضفاف نهري دجلة والفرات.
من ذلك الطين صُنعتْ، كذلك، كُتبُ الحكايات.
وحسب ما تقوله تلك الكتب: الموت يعني العودة إلى الطين.
تأسيس الحانة
عندما كان العراقُ بابلَ، كانت الأيدي الأنثوية تتولى مسؤولية المائدة:
ألاّ تغيب الجعة أبداً،
أن يكون البيت غنياً بالحساء،
وأن يكون الخبز وافراً.
في القصور، وفي المعابد، كان الشيف رجلاً. أما في البيت فلا. لأن المرأة هي من تصنع مختلف أصناف الجعة: الحلوة، والخفيفة، البيضاء، والشقراء، والسوداء، والمعتقة، وكذلك أصناف الحساء والخبز. وما يفيض عن المائدة يقدَّم للجيران.
مع مرور الزمن، صار في بعض البيوت منضدة كونتوار، وصار المدعوون زبائن. فولدت الحانة. وكانت مكانَ التقاء، وحيِّزَ حرية، في ذلك الركن الضيق، ذلك الامتداد من البيت، حيث تأمر المرأة.
في الحانات كانت تحاك مؤامرات، وتعقد عرى غراميات محظورة.
منذ أكثر من ثلاثة آلاف وستمئة عام، في أزمنة الملك حمورابي، أرسل الآلهة مئتين واثنين وثمانين قانوناً إلى العالم.
أحد القوانين يقضي بأن تُحرَق حيّةً الكاهناتُ اللواتي يشاركن في مؤامرات الحانات.
تاريخ موجز للجعة
أحد أقدم الأمثال، مكتوب بلغة السومريين، يعفي المشروب من أي ذنب في حالة الحوادث:
الجعة جيدة.
السيئ هو الطريق.
وحسب ما يرويه أقدم الكتب، فإن إنكيدو، صديق جلجامش، كان وحشاً برياً إلى أن اكتشف الجعة والخبز.
الجعة سافرت إلى مصر من الأراضي التي نسميها اليوم العراق. وبما أنها كانت تمنح عيوناً أخرى للوجه، ظن المصريون أنها هدية من إلههم أوزيريس. وحيث أن جعة الشعير كانت أختاً توأماً للخبز، فقد سمّوها الخبز السائل.
في جبال الأنديز الأميركية، هي القربان الأقدم: فمنذ الأزل تَطلب الأرض أن يسكبوا عليها دفقات من التشيتشا، بيرة الذرة، كي تبعث السعادة في أيامها.
الملك الذي أراد أن يعيش إلى الأبد
الزمن الذي كان قابلتَنا، سيكون جلادنا. فالزمن أرضعنا بالأمس، وسيلتهمنا غداً.
هكذا وحسب، ونحن نعرف ذلك جيداً.
أول كتاب ولد في العالم يروي مغامرات الملك جلجامش الذي رفض أن يموت.
هذه الملحمة انتقلت من فم لفم، منذ حوالي خمسة آلاف سنة، وكتبها السومريون، والأكاديون، والبابليون، والأشوريون.
جلجامش، ملك ضفاف الفرات، كان ابناً لربة وإنسان. إرادة إلهية، وقدر بشري: من الربة ورث السلطة والجمال، ومن الإنسان ورث الموت.
ولأنه من الفانين لم يكن يعنيه في شيء، إلى أن وصل إنكيدو، صديقه الحميم، إلى آخر أيامه.
كان جلجامش وإنكيدو قد شاركا في مآثر مذهلة. دخلا معاً غابة الأرز، منزل الآلهة، وهزما كذلك الحارس العملاق الذي يهزُّ زئيرُه الجبالَ. وأذلاّ معاً الثور السماوي الذي بنفخة واحدة يشق قبراً يرقد فيه مئة رجل.
موت إنكيدو حطَّم جلجاميش وأخافه. اكتشف أن صديقه الشجاع من طين، وأنه هو أيضاً من طين.
فانطلق في الدروب بحثاً عن الحياة الأبدية. جاب الساعي إلى الخلود الفيافيَ والقفار،
اجتاز النور والظلمات، أبحر في الأنهار الكبيرة، ووصل إلى جنة السماء، وقدمت له خدماتها الساقية المقنَّعة، سيدة الأسرار، ووصل إلى الجانب الآخر للبحر، عثر على العشبة التي تمنح الشباب للشيوخ، تابع طريقَ نجوم الشمال وطريق نجوم الجنوب.
فتح الباب الذي تدخل منه الشمس وأغلق الباب الذي تغادر الشمس منه.
وظل خالداً، حتى مات.
من دموعٍ نحن
قبل أن تصير مصرُ مصرَ، خلقت الشمسُ السماءَ والطيور التي تحلّق فيها، وخلقت نهر النيل والأسماك التي فيه، ومنحت حياةَ الخضرة لضفافه السوداء، فامتلأت بالنباتات والحيوانات.
عندئذ جلست الشمس، صانعة الحياة، تتأمل صنيعها.
أحست الشمس بالتنفس العميق للعالم حديث النشوء الذي كان يتفتح أمام عينيها، وسمعت أصواته الأولى.
كل ذلك الجمال يؤلم.
دموع الشمس سقطت على الأرض وصنعت طيناً.
وصار ذلك الطين بشراً.
احتكار إلهي
لم يكن الآلهة يتحملون منافسة الأرضيين العاميين والبرّيين.
علينا نحن أن نتذلل لهم ونطيعهم. فهم صانعونا، حسب ادعائهم. ورقابة السماء العالية تحظر نشرَ الإشاعة القائلة إنهم هم مِن صُنعنا نحن.
عندما اكتشفوا أننا نرى ما وراء الأفق، ألقى آلهة المايا تراباً في عيوننا، وآلهة الإغريق أصابوا فينيوس، ملك تساليا بالعمى، حين علموا أنه يرى ما وراء الزمن.
وإبليس كان الملاك المفضل عند إله اليهود والمسيحيين والمسلمين. وحين أراد إبليس أن يرفع عرشه فوق النجوم، حوَّله ذلك الإله إلى رماد بإحراقه في نار جماله بالذات.
وكان ذلك الإله نفسه هو من طرد آدم وحواء، الأولين، اللذين لم تكن لهما سرّة، لأنهما أرادا معرفة المجد الإلهي. وكان هو نفسه من عاقب بناةَ برج بابل، الذين أرادوا اقتراف وقاحة الوصول إلى السماء.
شكراً للعقاب
في بابل، المدينة الملعونة التي كانت، حسب الكتاب المقدس عاهرةً وأمَّ عاهرات، كان يُشيد ذلك البرج الذي هو خطيئة الغرور البشري.
ولم تتخلف صاعقة الغضب: حَكم الرب على بناة البرج بالتكلم بلغات مختلفة، بحيث لا يمكن لأحد أن يتفاهم أبداً مع أحد، وظل البرج إلى الأبد نصف مشيد دون اكتمال.
وحسب العبرانيين القدماء، كان اختلاف لغات البشر عقاباً إلهياً.
ولكن ربما قدم لنا الرب جميلاً، حين أراد معاقبتنا، بإنقاذنا من ضجر اللغة الوحيدة.
تأسيس اللغات
لكن القصة مختلفة حسب المكسيكيين القدماء.
فقد رووا أن جبل تشيكوموزتوك، المنتصب حيث ينقسم البحر إلى نصفين، كان في أعماقه سبعة كهوف.
في كل كهف منها يحكم إله.
ومن تراب الكهوف السبعة ودماء الآلهة السبعة، عُجنت أولى الشعوب التي ولدت في المكسيك.
وشيئاً فشيئاً، راحت الشعوب تتدفق من أفواه الجبل.
وكل شعب يتكلم، ومازال، لغة الإله الذي خلقه.
ولهذا فإن اللغات مقدسة، وموسيقى القول مختلفة.
النيل
كان النيل ينصاع للفرعون. فهو من يفتح الطريق للفيضانات التي تعيد إلى مصر، سنة بعد أخرى، خصوبتها المذهلة. وبعد الموت أيضاً: عندما ينسل أول شعاع من الشمس من شق في قبر الفرعون، ويضيء وجهه، تعطي الأرض ثلاثة محاصيل.
هكذا كان.
ولم يعد كذلك.
فمن أذرع الدلتا السبع لم يبق إلا ذراعان، ومن مواسم الخصب المقدسة التي لم تعد مواسمَ ولا مقدسة، لم يبق سوى الأناشيد القديمة التي تشِيد بأطول نهر في العالم:
أنت تطفئ ظمأ القطعان كلها.
أنت تشرب دموع العيون كلها.
إنهضْ أيها النيل، وليدوِّ صوتك!
فليُسمعْ صوتك!
إضراب السيقان المطبَقة
في أوج الحرب البيلوبونية، أعلنت نساء أثينا وإسبارطة وكورينتو وبيوسيا الإضراب ضد الحرب.
كان أول إضراب سيقان مطبقة في التاريخ الكوني. وقد حدث في المسرح. وولد من مخيلة أريستوفانيس ومن الخطبة التحريضية التي وضعها على لسان ليسيستراتا، المرأة الأثينية المهيبة:
ـ لن أرفع ساقيّ حتى السماء، ولن أقبع على أربع ومؤخرتي مكشوفة!
وتواصل الإضراب، دون هدنة، إلى أن أَجبر الصيامُ عن الغراميات المحاربين على الرضوخ. كانوا متعبين من القتال بلا سلوى، ومرعوبين حيال التمرد الأنثوي، ولم يجدوا مفراً من القول وداعاً لميادين المعارك.
بهذه الطريقة تقريباً روى الأمر، تخيله، أريستوفانيس، وهو كاتب محافظ يدافع عن التقاليد كما لو أنه يؤمن بها، ولكنه في أعماقه كان يؤمن بأن الشيء المقدس الوحيد هو الحق في الضحك.
وكان سلام على منصة المسرح.
أما على أرض الواقع، فلا.
كان قد مضى على الإغريق عشرين عاماً وهم يقتتلون عندما عُرضت هذه المسرحية، وقد تواصلت المجزرة سبعة أعوام أخرى بعدها.
وظلت النساء محرومات من حق الإضراب، ومن حق إبداء الرأي، وبلا أية حقوق أخرى سوى حق الانصياع للأعمال الخاصة بجنسهن. ولم يكن المسرح من تلك الأعمال. فالنساء يستطعن حضور المسرحيات، في أسوأ الأماكن، وهي أعلى المدرجات، ولكنهن لا يستطعن التمثيل فيها. لم تكن هناك ممثلات. وفي مسرحية أريستوفانيس، أدى دورَ ليسيستراتا وبطلاتِ المسرحية جميعهن ممثلون من الرجال يضعون أقنعة نساء.
وسائل مضادة للحمل مؤكدة علمياً
في روما، نساء كثيرات كنّ يتجنبن إنجاب الأبناء بالعطاس فور الانتهاء من ممارسة الحب، غير أن المحترفات كنّ يفضلن هز أردافهن في لحظة الذروة، من أجل تشتيت البذور. وروى بلينيو العجوز أن النساء الفقيرات كنّ يتجنبن الحبَل بأن يعلقن حول أعناقهن، قبل الفجر، تميمة مصنوعة من ديدان مستخرجة من رأس عنكبوت كثيفة الشعر وملفوفة بقطعة من جلد أيل. ونساء الطبقة الراقية يتقين الحبل بحمل أنبوب صغير من العاج يحتوي قطعة من رحم لبؤة أو كبد قط.
بعد زمن طويل من ذلك، كانت المؤمنات في إسبانيا يرتلن صلاة معصومة عن الخطأ:
يا قديس يوسف، يا من أنجبت من دون فِعل،
إجعلني أفعل من دون إنجاب.

تأسيس سانتا كلوز
في صورته الأولى المنشورة عام 1863 في مجلة «هربرز»، في نيويورك، كان سانتا كلوز عفريتاً بديناً يدخل من مدخنة. ولد على يد الرسام توماس ناست، باستلهام ملتبس لأساطير القديس نيقولا.
في أعياد الميلاد عام 1930، تعاقد سانتا كلوز مع كوكا كولا. وحتى ذلك الحين لم يكن له زي محدد، وعموماً كان يفضل الملابس الزرقاء والخضراء. الرسام هابدون سيدبلوم ألبسه ألوان الشركة: أحمر قانٍ مع حواشٍ بيضاء، ومنحه الملامح التي صرنا جميعنا نعرفها. وصارت لصديق الأطفال لحية بيضاء، ويضحك على الدوام ومن دون توقف، يسافر في زلاجة، وهو بدين إلى حدّ لا يُعرف معه كيف يتدبر أمره للدخول من مداخن العالم محملاً بالهدايا وفي يده علبة كوكا كولا.
ولا يُعرف كذلك ما هي علاقته بيسوع.
أمُّ رواةِ الحكايات
من أجل الانتقام من واحدة خانته، راح الملك يذبحهن جميعاً.
عند الغسق يتزوج وعند الفجر يترمل. واحدة بعد أخرى، تفقد العذراوات عذريتهن ورؤوسهن.
شهرزاد هي الوحيدة التي تمكنت من البقاء حية بعد الليلة الأولى، وبعد الليلة الثانية واصلت مقايضة حكاية مقابل كل يوم في الحياة.
تلك القصص التي كانت قد سمعتها، أو قرأتها، أو تخيلتها، أنقذتها من قطع رأسها. كانت ترويها بصوت خافت، في عتمة المخدع، بلا أي ضوء آخر سوى ضوء القمر. وبينما هي ترويها كانت تشعر بالمتعة، وتمنحها، ولكنها كانت حذرة جداً. ففي بعض الأحيان، وهي في أوج الحكاية، تشعر أن الملك يتأمل نحرها.
إذا ما ملَّ الملك، سوف تضيع.
من الخوف من الموت ولدت براعةُ القصّ.
بغداد
عاشت شهرزاد لياليها الألف وواحدة في قصر ببغداد، على ضفاف دجلة.
قصصها الألف وواحدة ولدت في تلك الأراضي، أو جاءت من بلاد فارس، أو جزيرة العرب، أو الهند، أو الصين، أو تركستان، مثلما هي دكاكين الأسواق التي تجمع ألف أعجوبة وأعجوبة تأتي بها قوافل التجار من أماكن نائية.
كانت بغداد مركز العالم. وجميع الدروب، دروب الكلمات، ودروب الأشياء، تمر من تلك المدينة ذات الميادين والنوافير، الحمامات والحدائق. وكذلك أشهر الأطباء، والفلكيين، والرياضيين، كانوا يلتقون في بغداد، في أكاديمية للعلوم اسمها بيت الحكمة.
ومن هؤلاء كان محمد الخوارزمي، مؤسس علم الجبر (álgebra). الذي يدعى بهذا الاسم نسبة إلى أحد كتبه: الجبر...، ومن لقبه اشتُقت كلمتي اللوغرتم والخوارزمية.
ابن سينا
ـ الحياة تقاس بزخمها، وليس بأمدها ـ هذا ما قاله، ولكنه عاش قرابة ستين عاماً، وهي سن ليست سيئة بأي حال في القرن الحادي عشر.
كان يعالجه أفضل طبيب في فارس، ألا وهو، هو نفسه.
مؤلفه «القانون في الطب»، كان مرجعاً إجبارياً طوال قرون في العالم العربي وأوروبا والهند.
هذه الرسالة في الأمراض والعلاج لم تقتصر على جمع إرث أبوقراط وجالينوس، وإنما شربت من ينابيع الفلسفة الإغريقية والحكمة الشرقية.
في السابعة عشرة من عمره كان ابن سينا قد فتح عيادته. وبعد زمن طويل من موته ظل يعالج مرضى.
مياهٌ ملعونة
نحن نعرف نوستراداموس من خلال نبوءاته التي مازالت «بست سيلر» في العالم.
لكننا نجهل أن نوستراداموس كان طبيباً أيضاً، وكان طبيباً غريباً لا يؤمن بالعلق، ويصف ضد الأوبئة الهواءَ والماء: هواء يهوّي وماء ينظف.
القذارة حاضنة أوبئة، ولكن الماء كان سيئ السمعة في أوروبا المسيحية. فالماء يجب تجنبه، إلا عند التعميد، لأنه يمنح متعة، ولأنه يدعو إلى الخطيئة. وفي محاكم التفتيش، كانت كثرة الاستحمام دليلاً على الهرطقة المحمدية. وعندما فرضت المسيحية سلطتها في إسبانيا كحقيقة وحيدة، أمر التاج بتدمير الحمامات العامة الكثيرة التي خلّفها المسلمون، لأنها مصدر ضياع روحي.
ليس هنالك أي قديس، أو قديسة، وضع قدمه في حوض حمام، وكان الاستحمام أمراً نادراً بين الملوك، فمن أجل ذلك توجد العطور. والملكة إيزابيل الكاثوليكية كانت نظيفة الروح، لكن المؤرخين يتجادلون حول ما إذا كانت قد استحمت مرتين، أم ثلاث مرات، في حياتها. والملك الشمس الفرنسي الأنيق، أول رجل استخدم الكعب العالي، استحم مرة واحدة فقط بين عامي 1647 و1711. وبوصفةٍ طبية.
المدينة العظيمة العائمة
في بدايات القرن الخامس عشر قام الأميرال زينغ، قائد الأسطول الصيني، بالحفر على حجر على سواحل سيلان، تكريمَه لله، وشيفا، وبوذا. وطلب من الثلاثة، بثلاث لغات، أن يباركوا بحارته.
ترأس زونغ، الخصي الوفي للإمبراطورية التي أخصته، أكبرَ أسطول بين كل الأساطيل التي كانت قد جابت بحار العالم.
في الوسط، السفن العملاقة، ببساتين أشجارها وخضارها، وحولها غابة من ألف صارٍ:
تفتح الأشرعة كأنها سحب السماء...
السفن تذهب وتجيء بين موانئ الصين وسواحل أفريقيا مروراً بجاوا والهند وبلاد العرب و... البحارة ينطلقون من الصين حاملين الخزف، والحرير، واللّك، واليشب، ويرجعون محملين بقصص ونباتات سحرية وزرافات، وفيلة وطواويس. يكتشفون لغات، وآلهة، وعادات. لقد عرفوا الفوائد العشر لجوز الهند ومذاق المانجا الذي لا يُنسى، واكتشفوا وجود أحصنة مخططة بالأبيض والأسود، وطيور طويلة القوائم تركض كالخيول، ووجدوا البخور والمُّرّ في بلاد العرب، وأحجاراً غريبة في تركيا، مثل العنبر الذي أطلقوا عليه اسم لعاب التنين. وفي جزر الجنوب ذُهلوا بالطيور التي تتكلم كالبشر، وبالرجال الذين يعلقون خشخاشة بين سيقانهم لتعلن عن مزاياهم الجنسية.
رحلات الأسطول الصيني العظيم كانت بعثات اكتشاف وتجارة. لم تكن منشآت غزو. ولم يكن أي سعي للسيطرة يجبر زونغ على ازدراء أو إدانة ما يجده. فما هو غير مدهش وعجيب يكون جديراً بالفضول على الأقل. ومن رحلة إلى رحلة، كانت تتعاظم مكتبة بكين الإمبراطورية التي تجمع معارف العالم في أربعة آلاف كتاب.
في ذلك الحين كان لدى ملك البرتغال ستة كتب.
البابا سخياً
بعد سبعين سنة من رحلات الأسطول الصيني تلك، بدأت إسبانيا غزو أميركا، وأجلست إسبانيّاً على عرش الفاتيكان.
رودريغو بورخيا ولد في بلنسيا، وتحول إلى بابا روما، وصار اسمه ألكسندر السادس، بفضل أصوات الكرادلة الذين اشتراهم بذهب وفضة حملتها أربعة بغال.
البابا الإسباني أصدر براءات المنح التي أهدت إلى ملكي إسبانيا وورثتهم، باسم الرب، الجزر والأراضي التي ستسمى بعد سنوات أميركا.
وأكد البابا كذلك أن البرتغال هي مالكة وسيدة جزر وأراضي أفريقيا السوداء التي كان يُنتزع منها، منذ نصف قرن، ذهب وعاج وعبيد.
النوايا لم تكن هي النوايا نفسها بالضبط التي قادت الأميرال زونغ. فالبابا أهدى أميركا وأفريقيا من أجل السيطرة على الأمم الهمجية وإخضاعها للديانة الكاثوليكية.
كان عدد سكان إسبانيا آنذاك أقل بخمس عشرة مرة من سكان أميركا، والسكان في أفريقيا السوداء يزيدون مئة مرة على سكان البرتغال.
اعترافات المُّعَذَّب
في العام 2003، عُذب ابن الشيخ الليبي، قائد القاعدة، إلى أن اعترف بأن العراق قد دربه على استخدام الأسلحة الكيماوية والجرثومية. وعلى الفور، عرضت حكومة الولايات المتحدة، بسعادة، شهادته كي تثبت أن العراق يستحق أن يُغزى.
بعد وقت قصير، عُرف: أن المُّعَذَّب، كالعادة، قال ما يريد منه المعذِّب أن يقوله.
هذه «الغلطة» لم تمنع حكومة الولايات المتحدة من مواصلة ممارسة التعذيب والحض عليه، على مستوى عالمي، مطلقة عليه تسمياته الفنية الكثيرة: وسائل قسر بديلة، تقنيات استجواب مكثف، تكتيك الضغط والتخويف، منهج الإقناع...
جميعنا كنا جلادين
تبدل ضئيل، أو عدم تبدل، طرأ على شارع بورين في برشلونة، وإن كان الآن يقوم بمهمات أخرى.
خلال جزء لا بأس به من العصور الوسطى، كان هذا الشارع أحد منصات العدالة الأوروبية المتحولة إلى استعراض عام.
المهرج والموسيقيون يتقدمون الموكب. ويخرج المحكوم، أو المحكومة، من السجن على متن حمار، عارياً، أو شبه عار. وبينما هو يتلقى الجلد، يخضع لمطر من الشتائم، والصفع، والبصاق، البراز، البيض المتعفن، وأنواعٍ أخرى من تكريم الجمهور.
وكان أشد المندفعين في العقاب هم أشد المندفعين في الخطيئة.
94 مرتزقة
يسمونهم الآن متعاقدين.
وفي إيطاليا، قبل قرون، كان اسمهم متعاقدين condottieri أيضاً. وكانوا يُستأجرون ليَقتلوا، وعقد condotta كانت تسمية العقد المتفق عليه.
باولو أوسيلّو رسم أولئك المحاربين الذين يلبسون بأناقة، ويتحركون برشاقة تبدو معها لوحاته أقرب إلى عروض الأزياء منها إلى معارك دامية.
ولكن أولئك المتعاقدين كانوا رجالاً يغطي الشعر صدورهم، ولا يشعرون بالخوف من شيء، باستثناء خوفهم من السلام.
في سنوات شبابه، كان الدوق فرانشيسكو سفورسا في المهنة، ولم ينسها.
وذات مساء، كان الدوق يتنزه في محيط ميلان، عندما رمى من فوق صهوة حصانه قطعة عملة إلى متسول.
تمنى له المتسول أفضل أمنية:
ـ فليكن السلام رفيقك.
ـ السلام؟
وقطعت ضربةُ سيف يدَ المتسول.
أثداء
من أجل الإفلات من العقاب، كان بعض الشاذين جنسياً يتنكرون كنساء، ويتظاهرون بأنهم عاهرات.
في أواخر القرن الخامس عشر، أصدرت فينيسيا قانوناً يجبر العاهرات على كشف أثدائهن. فكان يتوجب عليهن إظهار الصدر من النوافذ، حيث يعرضن أنفسهن على الزبائن العابرين. كن يعملن على جسر، بالقرب من ريالتو، ومازال الجسر يسمى جسر الأثداء ponte delle Tette.
إنكار الإرث
ذات ليلة، في مدريد، سألتُ سائق سيارة الأجرة:
ـ ما الذي جلبه «المورو» إلى إسبانيا؟
ـ مشاكل ـ أجابني من دون لحظة شك أو تردد واحدة.
المدعوون «مورو» كانوا إسباناً بثقافة إسلامية، عاشوا في إسبانيا طوال ثمانية قرون، اثنين وثلاثين جيلاً، وتألقوا هناك كما لم يتألقوا في أي مكان آخر.
إسبان كثيرون يجهلون، حتى الآن، الألقَ الذي خلّفته تلك الأنوار. فالإرث الإسلامي يتضمن ضمن ما يتضمن:
التسامح الديني الذي انتهى على يد الملوك الكاثوليك.
طواحين الهواء، والحدائق والقنوات التي مازالت توفر ماء الشرب لعدة مدن وتروي حقولها.
خدمة البريد العامة.
الخل، والخردل، والزعفران، والقرفة، والكَمّون، وسُكَّر القصب، والزلابية، وكرات اللحم، والفواكه المجففة.
الشطرنج. العدد صفر والأعداد التي نستخدمها. الجبر وحساب المثلثات. الأعمال الكلاسيكية لفيثاغورث، وبطليموس، وأفلاطون، وأرسطو، وإقليدس، وأرخميدس، وأبوقراط، وجالينوس، ومؤلفين آخرين انتشرت أعمالهم، بفضل ترجمتها العربية، في إسبانيا وأوروبا.
وأربعة آلاف كلمة عربية مندمجة في اللغة القشتالية.
وعدة مدن هي آيات في الجمال، مثل غرناطة التي يتغنى بها مقطع لشاعر مجهول كما يلي:
أعطِ الضرير صدقة يا امرأة،
فليس في الحياة شيء
أقسى من حزنِ كون المرء
أعمى في غرناطة.
ابن ميمون وابن رشد
الثقافة اليهودية والثقافة الإسلامية ازدهرتا معاً، في إسبانيا الخلافة.
إنهما عالمان، ابن ميمون يهودي، وابن رشد مسلم، ولدا في الوقت نفسه تقريباً، في قرطبة، في القرن الثاني عشر، وجابا الدروب نفسها. كلاهما كان طبيباً.
سلطان مصر كان مريضاً عالجه ابن ميمون، وابن رشد كان يعنى بصحة خليفة قرطبة، من دون أن ننسى أبداً أنه كتب: الطب هو السبب في معظم الميتات.
وكلاهما كان كذلك مشرِّعاً.
ابن ميمون نظم القانون العبري الذي كان مبعثراً حتى ذلك الحين، وأضفى تماسكاً ووحدة على كتابات كثيرة لحاخامات اهتموا بالموضوع. وكان ابن رشد أعلى سلطة قانونية في الأندلس الإسلامية، وقد أقرَّت أحكامُه نظاماً قضائياً استمر قروناًً عدة في التشريعات القانونية الإسلامية.
وكلاهما كان فيلسوفاً.
كتب ابن ميمون «دليل الحائرين»، كي يساعد اليهود، الذين اكتشفوا الفلسفة الإغريقية بفضل الترجمات العربية، على تجاوز التناقض بين العقل والإيمان.
وهذا التناقض نفسه أدى إلى إدانة ابن رشد. فالأصوليون اتهموه بأنه يضع العقل البشري فوق الوحي الإلهي. والأدهى من ذلك أنه كان يرفض قصر الممارسة العقلية على النصف الذكوري من البشرية، ويقول إن النساء في بعض الشعوب الإسلامية أشبه بالنباتات. ودفع الثمن حكماً عليه بالنفي.
لم يمت أياً منهما في المدينة التي ولد فيها. فابن ميمون مات في القاهرة، وابن رشد في مراكش. وقد حملت بغلةٌ ابنَ رشد لتعيده إلى قرطبة. كانت البغلة تحمل جسده وكتبه المحظورة.
حجر
عندما اجتاحت السلطة الإسبانية المنتصرة مسجد قرطبة، حطمت نصف الأعمدة الألف التي كانت فيه، وملأت أمكنتها بتماثيل قديسين معذبين.
كاتدرائية قرطبة، هذا هو الاسم الرسمي للمكان الآن، ولكن لا أحد يدعوه بهذا الاسم. إنه المسجد. وهذه الغابة من الأعمدة التي نجت مازالت معبداً إسلامياً، وإن كانت عبادة الله محظورة فيه.
في مركز الطقوس الاحتفالية، في الحيز المقدس، يوجد حجر كبير عارٍ.
تركه القسس هناك. وقد ظنوا أنه حجر أبكم.
الماء والضوء
هناك، في حوالي العام ألف وستمئة وبضع سنوات، أراد النحات لويس دي لابينيا أن ينحت الضوء. أمضى حياته في محترفه، في أحد أزقة غرناطة، يريد تحقيق ذلك ولا يستطيعه.
لم يخطر بباله قطّ أن يرفع بصره. فهناك في أعلى الرابية ذات التراب الأحمر، كان نحاتون آخرون قد نحتوا الضوء، والماء أيضاً.
ففي برج وحدائق قصر الحمراء، تاج المملكة الإسلامية، كان أولئك الفنانون قد جعلوا المأثرة المستحيلة ممكنة.
قصر الحمراء ليس منحوتة ساكنة. إنه يتنفس ويلعب لعبة الماء والضوء اللذين يستمتعان بالتلاقي: ضوء حي، وماء مسافر.
ممنوع عليك أن تكون
حفيد الملكة إيزابيل، الإمبراطور فيليبه الثاني، عدو الماء والضوء، أكد على بعض المحظورات ضد من يُسمون الموريسكيين، وبينما كان يولد العامُ 1567 قرر أن يطبقها بيد من حديد.
من غير المسموح:
التكلم والقراءة والكتابة بالعربية.
ارتداء الملابس حسب التقاليد المعهودة.
إقامة احتفالات بأدوات وأناشيد موريسكية،
استخدام أسماء أو ألقاب موريسكية.
والاستحمام في الحمامات العامة.
هذا الحظر الأخير كان يحظر ما لم يعد موجوداً.
فقبل قرن من ذلك، كان هناك ستمئة حمام عمومي في مدينة قرطبة وحدها.



del.icio.us
Digg
التعليقات (0 مرسل):
أضف تعليقك